نــور ""..... قصة قصيرة
عندما بلغ َ الحبُّ أوجه في قلب نور. جعلَت من السحب مسكنًا لمخيلتها المنبلجةِ من لَدُنِ الله. وسارت على درب العاشقين ممن سبقوها..ذلك الطريق المعبّد بنفانفِ الوردِ الساقطةِ عن الأغضان الرّضة من ثِقَل الحُب.
عرفتها منذ حداثتي, طفلةً في الناسوتِ تتحدُ بنورِ الشمسِ اذا لامسَ جفنها. لذلك دَعوتُها "نور". كنت أراها فوق كل شيء: فإذا نظرتُ الشجرَ قلتُ في نفسي, إن كل الأشجار تحت النور. وإذا نظرت الى الناس قلتُ إن الناس من النورِ وإلى النور ولكنهم ليسوا النور. ومع أنها لم تكون النور العظيم إلا أنها –كما نحن جميعًا- ظِلٌّ من ذلك الروح العظيم الذي كان يرفُّ فوق وجه الغمرِ من أيام الأزل. كنا أطفالاً, نلهو بالدنيا فلما غدونا كبارًا صارت الدنيا تلهو بنا. ذات يوم, وفي الربيع الثامن عشر من حياتنا, ذهبت أعودها إذ ألمّ بها مرضٌ أقعدها البيتَ طيلةَ أيامٍ بدت كأنها دون شمس..كأنها دون "نور". ظُلمات تلك الأيام التي أصبحت أدعوها ليالٍ, باتت شبحًا جاثمًا فوقَ صدري على أنها رغم سوئها, لم تكن إلا قطرةً من بحيرةِ النار. فإذ عُدتها ذلك اليوم, رأيتها جالسةً على سريرها تنظر الى اللاشيء وتتنهد. بادرتها بالسؤال: "كيف حالك؟ هل أصبحتِ على خير؟". نظرت إليّ تلك النظرة التي يعرفها الجميع ولكن لا يختبرها أغلبهم, نظرت إليّ ثم قالت بصوتٍ تكاد أنامل الموت تعزف عليه: "لقد جاءت الساعة, وسلطان الظلام حلّ. نور التي تعرفها أصبحت شمعةً منطفئة, وأنت الذي جعلتَ مني كائنًا فوقَ الكل, تُشاهد الآن المشهد الأخير من مسرحية حياتي. لطالما تاقت نفسي الى الحياة, وجعلتُ من السّحب ملعبًا لروحي, ومن خيوط الشمسِ قيثارةً نعزفُ عليها..أنا وأنتَ منحتني ألوهية النور, تاقت نفسي الى الموت, وهل تتوق النفسُ إلا لما نهوى؟". نظرتُ إليها وغصات الحزن تخنقني وتريد أن تتفجر من داخلي. أمسكت يدها وضغطُّها مثلما تفعل المفجوعةُ بتراب القبر إذا فقدت عزيزًا. نظرتُ ثم تركتها. ذهبت الى ذلك المكان السريّ الذي كنا نلتجئُ إليه عندما كنا نلعبُ بالحياة..ثم نظرتُ نحوَ الأفق وركعت الى الأرض بخشوع. ثم جعلتُ أفكّر: ألعلّ الموتَ نسيَ أن الشرّ خرجَ من لدنه وأن لدنَ النور هو النور؟ فكيف بحق كل ما في السماء, تزاوج النور مع الموتِ في شخصٍ واحد؟ أنقول أن الموتَ حقٌ والحقُّ هو النور؟. رجعت الى بيتنا على الناصية المجاورة لبيتها. كانت الحارةُ متّشحةً بسوادٍ عظيم. صراخٌ في كل مكان, أشجار الزيتون تنوح..ماذا حدث؟ صرت أسأل, وقبل أن أتلقى الإجابة عرفتُ أن نور قد انقلبت الى ظُلمة, وأن تلك الظلمة تجسّدت بالسواد البادي في كل مكان. صرتُ أبكي وأبكي وأنوح!! نور!!! أينَ ذهتِ يا حبيبةَ أينَ ذهبتِ..أصداف البحر تسأل عنكِ, وملاعبك على الغيوم افتقدتكِ, حجارةُ طفولتنا تصرخ بكل قوتها: "أين نور؟!!"..بماذا أجيبها يا عزيزتي؟؟. انطلقت نظراتي نحو السماء وصرتُ أصرخ: "بماذا أجيبها يا رب؟..أين هي نور؟"..وبعد صمتٍ رهيبْ, سمعتُ صوتًا من بين السحاب, من مسكن الشمس يهمس: "هيذي هُنا". __________________