"" الغليــان "" ... قصة قصيرة
الغليان
البداية :
أذكر ذلك جيداً .. وكأنه يغدو بتواصل في تلافيف مخي ، ويروح متعانقاً مع وجداني كل يوم . أذكر صبري عامل النظافة ببشرته الصفراء وجحوظ عينيه . أذكر المعيد ماجد ببذلته المتينة ونظارته اللامعة . أذكرهما بطابور العيش سوياً . كنت نحو الثلاثين من عمري ، والآن أناهز السبعين ، وأذكر ذلك كأنه مشهد سينمائي أسود مكرر .
***
هذا كلام أحد الأفاقين ، لا تستمعوا له .. فأنا الراوي السيد ها هنا . فاستمعوا لي أنا .. وأكرر ! لا تستمعوا إلى هذا الأفاق !
أنت أيها الزبال البائس . تذكُر جيداً فاجعتك / حياتك . حياتك هي مأساتك الأولى ، وموتك هو بؤسك الأخير . تذكُر أولادك السبعة . بكاءهم الدائم . تشوه أغلبهم ، البعض في بدنه والبعض في عقله . جوعَهم الأبدي . وامرأتك .. ولِمَ تتزوج أصلاً ؟ مِثْلك لا يصلح للزواج ! امرأتك تتأفف من رائحتك ، وربما ألفتها من فرط الجماع . هلا علمتني سر اسمك ؟ أهو من الصبر ، أم من نفاد الصبر ؟
وأنت أيها المعيد المثالي . تلبس رداء ( الجنتلمان ) وتسعى إلى كليتك ، الآداب . لا أذكر بالضبط في قسم الفلسفة أم الإجتماع . ولكن لا يهم . أعلم بثوريتك الزائفة وكلامك السياسي المقنع لطلابك المساكين . تذْكُر أنت حياتك المقلوبة . ترجع بيتك تلبس الجلباب ، ليس لديك سواه . تعمل قواداً بالليل . تلهو مع العاهرات وتسكر وتعربد أحياناً . تنام في شروقك . يأتي صبري الزبال بقفته النتنة يزعجك من ألذِّ نومة ، طالباً خمسة جنيهات لفوات الشهر . ترميها له في قفته ، وتصك الباب بقدمك دون أن تُخرِج زبالتك . فأنت مثالي يا ماجد .
أنتما ضحيتان لعين دامية ، وضحيتان لكحل أعمى تلك العين . ولكن ألستما مدانان؟ هل سيُطلَق سراحكما لمجرد أنكما ضحيتان ؟ ألستما مدانان بما فعلتماه ؟ في حياتكما .. في مماتكما .. في اعتصامكما .. في عصيانكما المدني .
***
نعم .. أذكر ذلك جيداً . أتأثر فأبكي عند حكيه أحياناً . حدث ذلك أثناء هيجة الشعب ضد الغلاء والظلم والفقر . وتحدد يوم لا زلت أذكره ( 6 إبريل ) فيه تقرر العصيان المدني والاضراب العام عن العمل والشراء . يومياً كان يقف صبري المسكين والأستاذ المناضل ماجد في طابور العيش نحو السابعة صباحاً . يتناولون الود والمساعدات ، وكان ماجد كريماً ، وكان صبري زهيداً . وكانا يعانيان كل يوم من هذه الوقفة الطويلة الحارة . والباردة أحياناً ، والممطرة أحياناً أخرى . كانا يعانيان من التشاجر المستمر وضخامة الطابور الذي كان يسد الشارع . يسعى صبري إلى رزق أولاده ، وينهك ماجد ويضيع وقت عمله . كانت مأساه صباحية يومية .
وجاء يوم العصيان. الكل جاء الطابور ، عدا صبري وماجد . صبري مكث في بيته . أضرب عن الشراء ، بل أضرب عن الطعام في ذلك اليوم . كما أنه فصل دائرة الكهرباء عن بيته . أما ماجد فخرج مع الخارجين ، وتظاهر واعتصم وزعق بكل قوته ، مخرجاً كبت السنين في احتجاج . واشتبك مع الأمن ، ثم اُعتقل . واُحتجز صبري لأربعة أيام لتغيبه عن العمل في ذلك اليوم ، فمات متأثراً بجوعه . أما ماجد فمات متأثراً بجراحه .
***
لا تصدقوا هذا الكذاب ! صبري قعد أي نعم ولكن ليس بنيه اعتصام أو عصيان . إنه زبال جاهل . لقد تحرى فرصة الاضراب الجماعي عن العمل ، فقعد في بيته لكسله ، أو ربما لانهاكه المثير للشفقة ، أو ربما ليجامع امرأته في ارتياح دون أن تتقزز من رائحته ، ولو لمرة واحدة . إنه رجل مثير للشفقة فعلاً ! وإنه ليكره هذا الماجد الماجن كرهاً مفزعاً . وماجد ينظر له كما ينظر لصرصور ميت ، يقرف حتى أن يخطو عليه .
أعرفكما جيداً أيها الضحيتان . وسأُذَكِّركما بيوم العصيان ، وبما فعلتماه . تذكران جيداً ذلك اليوم المحفور في روحكما . ذلك اليوم الأصفر الترابي العفر ، وكأن الغضب الإلهي يعلن عن عصيانه هو أيضاً . تذكر أيها الماجد الهائج ثورتك وتجمع تلاميذك وعصبتك حولك ، وشغبك في الشوارع وتكسير المحلات ، وحرق المدارس ، وتفجير السيارات . ثم هربك في النهاية . تذكر أيها الصعلوك صبري مكوثك في بيتك أمام شموعك . والليلة فرحك لممارسة كل شيء بحرية بدون دفع مالك أو صدور رائحتك الكريهة . وتزويرك لشهادة مَرَضية تعفيك من التحقيق .
تذكران يومكما التالي على عصيانكما الزائف . في طابور عيشكما . تشاجرتما بسبب / لأجل رغيف عيش ، كل منكما يدَّعي أنه له . تطور شجاركما كانقسام السرطان ، فتعاركتما . وأخذ كل منكما بحجر ، وبكل ما أوتيتما من غل .. قتلتما بعضكما . أفلم يكن من الأفضل لكما أن تقتسما الرغيف وتنتهي المسألة ؟!حقاً مثيران للشفقة !
***
فصل حيادي :
( 5 إبريل )
طابور العيش طوله كعرضه يسد الشارع . علم أكثر الناس عن العصيان يوم غد ، وتحمس الكثير ، ولم يأبه القليل . وصار الكلام هذه الليلة ليس سوى عن العصيان المدني .
( 6 إبريل )
طابور العيش طوله كعرضه يسد الشارع . تظاهر البعض . حدث بعض الشغب . اُعتقل الكثير . لم يغب أحد عن عمله . فتحت المحلات والمتاجر . اشترى الناس السلع في يوم عصيانهم .. اللهم إلا القليل .
( 7 إبريل )
طابور العيش طوله كعرضه يسد الشارع .
***
نهاية غير معلوم مدى أهميتها :
الراوي الأول يذكر الحادث جيداً لأنه يعيش فيه كل يوم ، حتى أتت شيخوخته ، في نفس المكان . فببساطة الراوي الأول هو في الحقيقة ، عامل المخبز . أما الراوي الثاني فلا أحد يعلم من هو حتى الآن .
________________