وقفت ( مريم ) في شرفة منزلها تتلهف لقدوم وحيدها ( محمد ) من
مدرسته . .
لم تزل تفتقده طيلة ساعات الدراسة رغم مرور عشرين يوماً هي كل
عمره الدراسي . . لم تزل تقضي ساعات غيابه بين مطالعة عقارب
الساعة تستحثها على الإسراع و بين ترتيب غرفته و إعداد غذائه .
لم تكن ( مريم ) ترى في كل الشارع المزدحم بالمحلات و السيارات و
المارة أي شيءٍ من الممكن أن يثير انتباهها أو يحول نظرها و لو
لحظة واحدة عن مراقبة تلك الناصية التي يلج منها ( محمد ) إلى
الشارع . .
بدأت خفقات قلبها تتزايد ، فلا يفصلها عن موعد قدومه أكثر من
ثوانٍ معدودة . . تعلقت كل حواسها بالناصية . . إنها تهيئ
مشاعرها للحظة الكبرى التي طال انتظارها أكثر من خمس ساعات . .
لم تملك السيطرة على نفسها من الفرحة عندما لمحته يخطو خطواته
البريئة عند تلك الناصية . . أطلقت زفرة ارتياح نفست من خلالها
كل عذاب الشوق طيلة ساعات غيابه . .
كانت لحظات صعوده درجات السلم التسع دهراً بالنسبة لها . .
انطلقت تعدو بالمنزل حتى فتحت الباب . . قفزت في لمح البصر درجات
السلم التي تمنعها عنه. . أمسكت به بين ذراعيها . . أدامت النظر
إليه و كأنها تخشى أن تضمه فتحرق نيران شوقها صدره الصغير . .
انتظرت حتى شبعت عيناها منه ، ثم احتضنته حتى كادت أن تشق به
صدرها عله يطفئ ما يتأجج بداخله من شوق .
لم يكن ( محمد ) وحيدها أو حبيبها . . بل كان حياتها التي لا
تعرف غيرها و لا ترجو سواها .
فتحت باب المنزل حاملةً إياه بين ذراعيها . . أحست أنه ليس نفس
المنزل الذي غادرته منذ لحظات . . أصبح قصراً وردياً تعطره أنفاس
ملاكها الصغير . . كل قطعة من أثاثه كانت حزينة لغياب ( محمد ) و
هاهي الآن تتراقص فرحاً بقدومه .
حملته إلى غرفته ، فما تسمح له أن يبدل ثيابه ، إنها تجد متعتها
في مداعبته وهي تبدلها له بيديها . دخلت به إلى الحمام ليغتسل ثم
يرافقها إلى المطبخ حتى تعد له طعامه ، لا يمكن أن يغيب عن
ناظريها لحظة واحدة ، أو لا تكفي هذه الساعات الطويلة التي
يقضيها في المدرسة ؟
أجلسته أمامها على المائدة حتى تطعمه بيديها . . دائماً ما تنسى
أو على الأحرى تتعمد أن تنسى أنه كبر و يمكنه تناول طعامه بنفسه
. اكتفت بالنظر إليه و هو يتناول طعامه ؛ فلتؤجل الاستمتاع
بالحديث إليه فيما بعد .
كان محمد مستسلماً تماماً لإشباع جوعه و إن كانت نظراته تتّنقل
بين عينيّ أمه ويدها حين تمدها إلى فمه . .
تركت ( مريم ) نفسها للتمتع بالنظر إليه و هو يتناول طعامه حتى
فاجئها بسؤالٍ كاد أن يفطر قلبها فزعاً . .
- أماه . . لماذا يكرهنا اليهود ؟
لقد تلقت أخيراً الصفعة التي ترقبتها طيلة ست سنوات . . ست سنوات
كاملة وهي تخشى هذا السؤال . . ست سنوات كاملة و هي تعد نفسها
للإجابة عليه . . تهمس لنفسها بكلمات إجابته كل ليلة كتلميذٍ
يراجع دروسه ليلة الامتحان .
كانت مفاجأة السؤال أكبر من أن تملك نفسها لتذكر إجابته . .
عاندتها الذاكرة . . بخلت عليها بأي حرفٍ ربما يستدر باقي
الإجابة .
تطلع إليها ( محمد ) ينتظر إجابةً لسؤاله . . كان لا بد من
الإجابة . . حاولت أن تتصنع الثقة و الهدوء . . فتشت في داخلها
عن شبح ابتسامة ترسمها على شفتيها فلم تجد سوى ملامح الخوف على
وحيدها . .
- إنهم لا يكرهوننا . . من قال لك ذلك ؟
- كل الأولاد في المدرسة يقولون ذلك .
- ربما فقط يكرهون البعض .
- و لماذا يكرهونهم ؟
- لأن الأولاد يضايقونهم
- هل تقصدين لأنهم يقذفونهم بالحجارة ؟
كادت مريم أن تلطم خديها فزعاً . . لقد عرف ( محمد ) أكثر كثيراً
مما كانت تتوقع . . حاولت السيطرة على ما تبقى من هدوئها . .
- هل تحب أنت أن يقذفك أحد بالحجارة ؟
- لا يا أمي
- وهم كذلك لا يحبون من يقذفونهم
- و لكنهم يطلقون الرصاص على الأولاد
- إنهم لا يطلقون الرصاص إلا على من يقذفهم بالحجارة .
- و هل كان العم أمين البقال يقذفهم بالحجارة حتى يطلقوا عليه
الرصاص و يهدموا دكانه و يأخذوا ما به ؟
- ربما
- و لكن العم أمين شيخُ مسن لا يكاد يقوى على السير ، فكيف يقوى
على قذفهم بالحجارة ؟
- ربما فعل شيئاً آخر أغضبهم
- مثل ماذا ؟
- لا اعلم ، ولكنهم بالتأكيد لا يكرهونه إلا لأنه أغضبهم
- فهل يحبون من لا يغضبهم ؟
- هل يحبك كل من في مدرستك ؟
- لا أعرف . . و لكني أحبهم كلهم
- هل تحب من هم في فصولٍ أعلى منك ؟
- أنا لا أعرف غير من هم في فصلي فقط
- إذن أنت لا تحب أو تكره إلا من تعرفهم فقط ، و هم كذلك ليس
شرطاً أن يحبوا الجميع أو يكرهونهم ، كما أنت و الأولاد في فصول
أخرى أو مدارس أخرى
- و لكن من هم في فصول أخرى يلقون عليّ السلام عندما يرونني . .
أما اليهود فأنهم ينظرون لي نظرات كراهية
- لا تهتم بهم ، وتجاهل نظراتهم و هم لن ينظرون لك ثانيةً
حاولت إلهائه بالطعام ، لكن نظراته كانت تستجديها أن تدعه يكمل :
- أماه . . لماذا حضر جدي للإقامة في بيتنا ؟
- لأن داره تهدمت
- هل هدمها اليهود ؟
- لا يا بني . . وإنما تهدمت لأنها قديمة
- و لكن الأولاد يقولون أن اليهود هم من هدمها
- لا تصدق كل ما يُقال لك
- هل يكذبون عليً
- لا و لكن ربما فقط هم لا يعرفون الحقيقة
شعرت بأن مقاومتها انهارت تماماً أمام هذه السيل الجارف من
الأسئلة. . كان لا بد من الانسحاب الفوري . .
- هل شبعت ؟
- نعم يا أمي
- لماذا لا تنام ساعة قبل أن تحدثني كيف كان يومك في المدرسة ؟
- و هل ستحكين لي قصة حتى أنام
- على شرط أن تخلد سريعاً للنوم
أسرع محمد إلى المكتبة . . اخرج كتاباً عنوانه ( قصص ألف ليلة و
ليلة للأطفال ) كان والده قد اشتراه له من أحد معارض الأطفال حتى
تحكي له ( مريم ) قصةً قبل نومه .
أعطى أمه الكتاب ، و أسرع إلى سريره متلهفاً لسماع القصة .
بدأت ( مريم ) في السرد :
- و لما كانت الليلة العاشرة بعد المائة الثانية . . طلب شهريار
من شهرزاد أن تحكي له قصة الأمير الصغير و القصر المهجور . .
فاعتدلت شهرزاد في جلستها . . و احتضنت و سادتها . . و بدأت
حكايتها . . . .
و قبل أن تنهي ( مريم ) الحكاية كان ( محمد ) قد استسلم للنوم .
.
انطلقت إلى الهاتف لتحدث زوجها ( موسى ) . . فلا بد أن يجد لها
حلاً . .
- ( موسى ) : أريدك أن تحضر حالاً
- ماذا حدث يا ( مريم )
- لا شيء . . فقط أحتاج إليك
- هل ( محمد ) بخير ؟
- نعم . . إنه نائم
- و والدك ؟
- ذهب يتفقد ما تبقى من داره
- إذن ماذا حدث ؟
- تساقطت دمعاتها تستحثه على الحضور
- أنا قادمٌ حالاً
أغلقت السماعة و ارتمت بجسدها على المقعد . . مرت عليها الدقائق
ثقيلة بلا حراك حتى فتح ( موسى ) الباب مذهولاً . .
- ( مريم ) ما بك ؟
- ( محمد ) يا ( موسى )
- ماذا حدث له ؟
- لقد بدأ يعرف
- يعرف !! . . يعرف ماذا ؟
- إنه يسأل عن اليهود و عن أطفال الحجارة . . و لن تمر أيامٌ حتى
يعرف كل شيء
- وماذا في ذلك ؟ لا بد أن يأتي يومٌ و يدرك ما يجري حوله
- ثم ينضم إلى بقية الأولاد حتى يأتي لي يوماً محمولاً على
الأكتاف . . أليس كذلك ؟
- هوني عليكِ يا ( مريم )
- أنا لن انتظر حتى أفقد ولدي
- ما يحدث قدرنا كلنا . . فكيف تريدين أن تدفعي عن ولدك قدره ؟
- يجب أن نفعل شيئاً
- ماذا تقصدين ؟
- لا أدري . . و لكن ( محمد ) يعرف الكثير من الأولاد في المدرسة
- هل تريدين أن أنقله إلى مدرسة أخرى ؟
- و ما الفرق . . سيصاحب أولاداً آخرين و يعرف منهم
- فماذا يمكنني أن أفعل ؟
- تصرف يا ( موسى ) . . أليس هذا وحيدك أيضاً ؟
- يمكننا أن نرسله إلى أخي في مصر ليتعلم هناك
- أو لن يعرف في مصر ؟!!. . ثم يتسلل إلى هنا لينضم إلى الشباب
- حيرّتني يا ( مريم ) . . ماذا تريدين ؟
- لن يذهب ولدي إلى أي مدرسة
- ماذا ؟ !!
- سأحضر له المدرسين إلى هنا . . سيتعلم كل شيء أمام عيني
- و هل تمنعينه من الاختلاط بالأولاد في الشارع أيضاً ؟
- نعم
- هل ستحرمينه من اللعب مع أقرانه ؟
- سأحضر له كل ما يتمناه . . سأجمع له كل ألعاب الدنيا . . حتى
لو بعت كل مصوغاتي . . حتى لو بعنا أثاث المنزل
- حرامٌ عليكِ ما تفعلينه بولدك يا ( أم محمد )
- و هل حلالٌ أن أفقد و حيدي الذي ليس لي سواه ؟
- فلنناقش الأمر فيما بعد . . فيجب أن أعود إلى عملي
- لن نناقش شيئاً . . فأنا لن أفرط في وحيدي
- هوني عليكِ الآن . . و ليفعل الله ما يريد
باتت مريم ليلتها تتقلّب على جنبيّ الخوف و الفكر . . الخوف على
وحيدها الذي وهبته حياتها قبل أن تراه ، والتفكير فيما يخفيه لها
القدر .
عادت بذاكرتها إلى الوراء عندما كانت في شهر حملها الثالث و هي
تقف بجوار زوجها أمام الطبيب ليفاجئها بضرورة التخلي عن جنينها
حرصاً على حياتها . . صرخت فيه : لا يمكن . . أخبرها أن احتفاظها
به ربما يعني موتها . . لم ترهبها كلماته ، بل زادتها إصراراً
على موقفها . . لم يكن للحياة أي أهمية لديها طالما سينعم هو بها
. . حاول زوجها أن يقنعها بكل وسيلة ، ذكّرها باحتياجه لها ؛ بما
يربطهما من الحب . . . استفتى لها كل من يعرفه من الفقهاء ،
استشار كل أطباء المدينة . . الكل أجمع على ضرورة التخلي عن
جنينها . . لكن ما قيمة كل هذا لديها ، و ما قيمة حياتها هي
نفسها أمام حياة جنينها ؟
و لأن الله دائماً ما يكافئ المرء على عطائه بخيرٍ منه ، فقد
وهبهما الحياة معاً .
و في يوم خروجها من المستشفى اجتمع الكل حولها . . كان عليهم أن
يكونوا بجوارها و هي تتلقى الصدمة التالية . . لقد حرمها الله من
نعمة الإنجاب بعد ( محمد ) .
أحست ( مريم ) حينها كيف تكون حسرة الأم حين تفقد أطفالها الخمسة
في لحظة واحدة . . ربما لم تنجبهم بعد . . و لكنها كانت تحلم بأن
تكون أماً لستة أطفال . . لقد أعدت نفسها لذلك ، حتى أنها اختارت
لهم أسمائهم . . وهاهي الآن تفقد خمسة منهم في لحظة . .
فإذا كانت هذه مشيئة الله . . فليكن ( محمد ) أطفالها الستة ؛
فليكن حياتها و وجودها ؛ ليكن سمعها و بصرها . . فليكن ( محمد )
هو إلهها على الأرض .
- كان الخوف يقتلها كلما شرد بها خيالها لما يمكن أن ينتظر (
محمد ) من مصير . . هل يمكن أن تفقده في لحظة برصاصة غادرة ؟ هل
يمكن أن يعود إليها يوماً أشلاءً مبعثرة ؟
لقد أمرنا الله بالإيمان بالقدر . . و لكنه أمرنا أيضاً بالأخذ
بالأسباب . . فلن أترك سبباً أحافظ به على حياة ولدي . . نعم
كلنا نحب الأرض و ندافع عنها . . و لكن الأرض لها أولادٌ كثيرون
. . أما أنا فليس لي إلا ولدٌ واحد . . فهل من العدل أن أتنازل
عنه للأرض ؟
أفاقت ( مريم ) من شرودها فجأة على رائحة البارود تزكم أنفها ،
انتبهت لتجدهم يطوقون سريرها ببنادقهم و بزلاتهم العسكرية ؛
تتراقص ضحكات الشماتة في أعينهم . . أحدهم يصوب بندقيته إلى
رأسها . . صرخت على زوجها . . أحاطوا به . . جذبوه من عنقه . .
جَرّوه إلى خارج الغرفة . . هرولت وراءهم . . طرحوه على الأرض .
. تباروا في ركله بأحذيتهم الغليظة . . تراقصوا فوق جسده مطلقين
ضحكاتهم الجنونية . . التفتت إلى آخر الغرفة . . لمحت أبيها
المسن و قد تمدد على الأرض ، وأحدهم يضغط بحذائه العسكري على
رقبته . . ألقت بجسدها عليه . . حاولت بكل قوتها أن ترفع الحذاء
من على عنقه . . ركلها بقدمه بعيداً . . عاد ليمارس متعته بالضغط
على رقبة الشيخ المسن . . سقطت أمام عينيّ زوجها . . لمحت في
عينيه انكسار الرجولة . . بدءوا في تجريده من ثيابه أمام زوجته .
. تركوه ملقياً على بطنه عارياً تماماً . . تراجعوا إلى الوراء
قليلاً . . أفرغوا كل دناءتهم و وضاعتهم وحقدهم و كرههم و جنونهم
في جسده العاري . . تساقطت فوارغ الطلقات على الأرض لتعزف مع
أصوات الطلقات و ضحكاتهم الهستيرية سيمفونيةً بديعةً لحقارة
الإرهاب .
خرجوا ليتركوها روحاً ميتةً بين جسدين ميتين و بقايا حطام . . لم
تقو على النظر إليهما . . لم تفلح صرخاتها في الخروج . . ماتت
الدمعة في عينيها مع أول رصاصة غدر . . استسلمت للسكون حتى لا
تفسد رَّوْعة المشهد .
تذكرت وحيدها ( محمد ) . . انتفضت تصرخ باسمه . . استجمعت ما
تبقى من أشلاء قوتها لتعدو كالمجنون إلى غرفته .. توقف قلبها عن
الحياة عندما لم تجده . . سقطت فوق سريره تنتظر خروج أنفاسها
الأخيرة . . سمعت أنيناً مكتوماً . . تركت مشاعرها قبل أذنها
تسير بها إليه . . وجدته متجمداً تحت السرير بلا ملامح . .
أخرجته لتلقي بنفسها بين ذراعيه الصغيرتين . . كانت تستغيث به .
. تلوذ به ليحميها . . أعياها الحدث فأراحت رأسها على صدره .
دقائق مرت أو ساعات و هي محتمية برجلها الذي ما عاد لها غيره . .
سرقت أخيراً شيئاً من الجرأة يمّكنها من النظر إلى عينيه . . كاد
أن ينام . . ضمته إلى صدرها . .
- هل تريد أن أحكي لك حكاية قبل أن تنام ؟
- لكنك حزينة و متعبةٌ يا أمي
- بل سأحكي لك حكاية
- هل أحضر كتاب القصص لتحكي لي حكاية جديدة من حكايات شهرزاد ؟
- لا يا بني . . فلقد ماتت شهرزاد مع أبيك و جدك
- إذن ماذا ستحكين لي ؟
- سأحكي لك حكاية الأرض