عبدالرحيم الحاج محمد القائد العام للثورة الفلسطينية: لماذا يلفه النسيان والتغييب؟
 |
| الثائر عبدالرحيم الحاج محمد باع محله التجاري ليشتري سلاحا للثورة |
| |
المحامي عصام عبدالمجيد ياسين
تابعت باهتمام ما تناولته الصحافة في الايام الماضية من حديث عن الذكرى الستين لنكبة فلسطين، إذ تحدث العديد من الصحافيين عن جهاد شعب فلسطين خلال القرن الماضي واستفاضوا في الحديث عن ثورة شعب فلسطين 1936 - 1939. كما قامت محطة الجزيرة الفضائية بالحديث حول هذا الموضوع واستضافت عددا من الشخصيات للحديث عن هذه الثورة.
بيد أن الذي اثار استفزازي هو تجاهل القائد العام للثورة الزعيم المجاهد عبدالرحيم الحاج محمد، حيث قرأنا وسمعنا عن قادة فصائل والاشادة بهم وهم يستحقون أكثر من ذلك، لكن وجه الاستغراب ان هؤلاء الصحافيين يتجاهلون الحديث عن قائد الفصائل عبدالرحيم الحاج محمد الذي افتدى شبابه وماله ومال اسرته في سبيل الدفاع عن عروبة فلسطين وشعب فلسطين.
برنامج "الجزيرة" عن ثورة شعب فلسطين والحديث عن النكبة أفاض فيه العديد من المعلقين الا ان جميعهم باستثناء مقدمة البرنامج والاستاذ يوسف كبها تحدثوا بإيجاز شديد عن القائد عبدالرحيم الحاج محمد، في حين ان باقي المعلقين لم يتطرقوا اليه على الاطلاق، الامر الذي استفزني وتساءلت: ألم يسمع هؤلاء باسم قائد الثورة ومحركها الرئيس الذي قاد بجدارة ثورة شعب فلسطين 1936 - 1939.
ينتسب القائد عبدالرحيم الحاج محمد المولود في بلدة ذنابة قضاء طولكرم نهاية القرن التاسع عشر إلى اسرة ثرية ويعتبر والده الحاج محمد من الملاك الأثرياء وهو من عائلة عريقة (آل سيف). نشأ هذا القائد في بيت متدين وتلقى دروسه في مدارس طولكرم ونابلس ولما شبّ التحق بالكلية العسكرية ببيروت وتخرج منها وعمل في الجيش التركي وتم تعيينه بعد ذلك مدربا في الكلية العسكرية ببيروت.
وعند انتهاء الحرب العالمية الثانية وخروج تركيا من البلاد العربية، عاد الى مدينته طولكرم وكسائر ابناء الملاك فقد افتتح محلا تجاريا لبيع الحبوب وفي هذه الفترة كانت الهجرة اليهودية الى فلسطين تتعاظم وكان الغليان بين فئات الشعب الفلسطيني فقد وجد قائدنا ان التجارة لا تناسبه فقام ببيع محله التجاري واشترى بثمنه السلاح واخذ يجند بعضا من الشباب من اقاربه ومعارفه وابناء مدينة طولكرم والتف حوله العديد من الشباب. وفي بداية عام 1936 اعلن عبدالرحيم الحاج محمد الثورة، حيث وحد سائر الفصائل العاملة في منطقة نابلس وجنين وطولكرم وقلقيلية وانضم جميع الثوار تحت قيادته في هذه المنطقة.
في هذه الاثناء حضر القائد العسكري المرموق فوزي القاوقجي من دمشق ومعه بعض القيادات العسكرية الى فلسطين فالتف حوله جميع قادة فصائل ثورة فلسطين وتم تعيينه قائدا عاما لفصائل الثوار في عموم انحاء فلسطين، الا ان هذا القائد لم يستمر سوى شهر ونصف تقريبا (46) يوما وعاد ثانية الى سورية. وقبل ذلك كان قرر تعيين القائد عبدالرحيم الحاج محمد قائدا عاما لثورة فلسطين.
وكان الشعب الفلسطيني خلال هذه المدة يتعرض لأقسى انواع الاضطهاد والعنف من قبل القوات البريطانية التي كانت تدعم بالمال والسلاح العصابات الصهيونية في حين كانت تعاقب اي فلسطيني يحمل سلاحا او عتادا وكانت العقوبات تصل الى حد الاعدام لمن يثبت ان لديه قطعة سلاح، هذا بالاضافة الى الحصار الاقتصادي الذي مارسته القوات المستعمرة لفلسطين والتضييق على الشعب الفلسطيني من اجل بيع اراضيه للعصابات الصهيونية.
وفي 26/4/1936 تم اعلان الاضراب العام في جميع انحاء فلسطين وهو اكبر واشهر اضراب في العالم وطالبت من خلاله القوى الوطنية بثلاثة مطالب وهي:
1- منع الهجرة اليهودية.
2- منع تسليم الاراضي الاميرية لليهود وبيعها لهم.
3- اقامة حكومة وطنية في البلاد.
ولم تمتثل القوى الاستعمارية الانجليزية، كما هو متوقع، لهذه المطالب واشتعلت على اثر ذلك الثورة في عموم انحاء فلسطين تحت قيادة عبدالرحيم الحاج محمد الذي تصدى للقوات البريطانية في العديد من المواقع من بينها معركة نور شمس وهي اولى المعارك ومعركة بلعا والتي اسقطت طائرة بريطانية خلال المعركة من قبل الثوار ومعركة بيت امرين وكفر حور والنزلة الشرقية وغيرها الكثير من المعارك والتي كان القائد عبدالرحيم يقودها بنفسه وامام الثوار وقد اصيب في احدى هذه المعارك وتم اسعافه ومن ثم تمت معالجته في دمشق.
بيد ان العدو البريطاني ولما يمتاز به من خبث ودهاء فقد عمل على دس بعض العناصر المشبوهة بين الثوار من اجل اثارة النزعات والتفرقة بينهم وانتشرت عادات غريبة على الثورة كالاغتيالات وجمع الاموال من المواطنين حيث تصدى قائدنا لهذه الظاهرة الغريبة واصدر البيان تلو البيان يحذر الاشخاص الذين يطوفون في القرى والمدن يدّعون انهم من المجاهدين يبتزون اموال الناس بحيلهم الشيطانية وان هؤلاء فئة ضالة لا تمت للمجاهدين بأي صلة وان الثورة براء من هؤلاء محذرا في النهاية من معاقبتهم ومحاسبتهم.
كما اصدر العديد من البيانات يستنكر ويشجب الاعتداء على الاشخاص معلنا ان قيادة الثورة تستنكر بكل ما اوتيت من قوة محاولات الاغتيال. وقد وجه رسالة بهذا الخصوص لمعالي سليمان طوقان عندما علم بأن بعض الاشرار يحاولون الاعتداء عليه واغتياله، وفق نص الرسالة الواردة في كتاب نمر سرحان ويوسف كبها، وكذلك كتاب "بطل وثورة" للمؤلف زياد عودة.
ولمواجهة التحديات السياسية والعسكرية والأمنية، اقام المجاهد عبدالرحيم الحاج محمد جهازا اداريا واستخباريا لجمع المعلومات واستعان في ذلك ببعض المثقفين من بينهم الاستاذ ممدوح السخن من نابلس والشاعر عبدالرحيم محمود من عنبتا والصحافي عبدالرحيم العلي وشقيقه ابراهيم من طولكرم وعزالدين الشوا من غزة.
وكان الاستاذ اكرم زعيتر وعزت دروزة يمدانه بالمال من التبرعات وكانا على اتصال دائم بقائد الثورة كما كان له في كل قرية اعوان ومساعدون من بينهم فهمي الحسيني من غزة ونايف اسماعيل من كفر اللبد ومصطفى المحمد ابو راجح من رامين وابو غالب الكناني مختار النزلة الشرقية وعلي شديد من علار ومحمود حمدان من الراس وأنسباء القائد من آل الحطاب منهم كامل وعبداللطيف وعبدالرحمن، بالاضافة الى محمد الابراهيم من بلعا ورافع الفاهوم من الناصرة وفوزي جرار وكامل الحاج حسن الذي قضى القائد ليلته الاخيرة في ضيافته ببلدة صانور ومن مساعديه يوسف ابو درة وابراهيم العموري ومحمد صالح الحمد ومحمد شريف مصطفى وعبدالله الاسعد من عتيل.
هذا وقد بلغ عدد الفصائل التي كانت تعمل تحت إمرة القائد ثلاثة عشر فصيلا بلغ مجموعهم400 ثائر منظم بالاضافة الى المئات من المتطوعين غير المنظمين.
وحين شعر القائد بظهور الخلافات بين بعض قادة فصائل الثورة، فقد دعا القائد لوضع حد لمثل هذه الخلافات فقد تمت الدعوة للاجتماع الى مؤتمر دير غسانة/ رام الله في منتصف شهر ايلول من العام 1938 لحسم الخلافات واعادة اللحمة لقادة الفصائل، حيث تم الاجتماع في منزل المجاهد عمر صالح البرغوثي وحضره جميع قادة الفصائل من بينهم القائد محمد صالح الحمد والقائد عارف عبدالرازق والقائد حسن سلامة والقائد عبدالقادر الحسيني والقائد عبدالحليم الجيلاني من منطقة الخليل حيث ألقى الزعيم القائد عبدالرحيم الحاج محمد خطابا في هذا الاجتماع حث فيه على الوحدة بين الفصائل وهاجم الاحتراب الداخلي والاغتيالات لمنافاتها للدين الاسلامي الحنيف وسنة الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم).
كما طالب باتخاذ الاجراءات الصارمة بحق كل من يمارس هذه الظاهرة. وتم في هذا المؤتمر الذي حضرته اعداد غفيرة من الشعب الفلسطيني الذين تجمهروا في الهواء الطلق انتخاب القائد عبدالرحيم الحاج محمد قائدا عاما للثورة الفلسطينية لعموم انحاء فلسطين. وفي اعقاب هذا المؤتمر قامت القوات البريطانية بمهاجمة المؤتمرين وقامت الطائرات بقصفهم حيث تم تفريق هذا الاجتماع. وقام القائد بالمهمة الموكلة اليه بكل امانة واخلاص في محاربة المحتلين المستعمرين الانجليز واعوانهم من العصابات الصهيونية. ولكن القدر كان له بالمرصاد.
استشهد عبدالرحيم الحاج محمد بتاريخ 26/3/1939 حينما كان عائدا من سورية برفقة بعض المناضلين وعندما وصلوا بلدة صانور طوقتهم القوات البريطانية والتحم مع العدو في معركة غير متكافئة كان من نتيجتها استشهاده.
وحين اعلن النبأ، اصيب الشعب الفلسطيني بالذهول والحسرة على وفاة هذا القائد العظيم وحضر جنازته من الاعداء القائد العام للقوات البريطانية في فلسطين وأدى له التحية قبل نزوله الى القبر وقال في نعيه ان
لعبدالرحيم مكانة خاصة عند الشعب وعندنا بسبب اخلاقه العالية وكان رجلا مؤمنا كما حضر الجنازة المندوب السامي البريطاني وغيرهم العديد العديد.
وعم الاضراب الشامل عموم فلسطين وتوقفت المواصلات والمحلات التجارية المحلية والاجنبية. وشمل الحزن جميع البلاد ونعاه المسلمون من على المآذن وقرع المسيحيون نواقيس الكنائس ونعاه العديد من المثقفين من بينهم الاستاذ رشدي الشوا الذي قال "فقدنا الراحل العزيز الذي عاش شريفا ومجاهدا شريفا" واستشهد شريفا وكذلك كتب الاستاذ اكرم زعيتر في يومياته فوجئنا يوم 29/3/1939 بنبأ استشهاد القائد عبدالرحيم الحاج محمد ابو كمال فكانت صدمة شديدة وعلمنا بأن القوات البريطانية قامت يوم 26/3/1939 بمحاصرة بلدة صانور التي كان فيها البطل واشتبكت مع المجاهدين في معركة غير متكافئة ولسبب نفاد العتاد مع المجاهدين التحموا مع القوات البريطانية بالسلاح الابيض واستشهد القائد الفذ في نهاية المعركة.
وباستشهاد القائد فقد وصلت الثورة الى نهايتها حيث قام القائد عارف عبدالرزاق بتسليم نفسه الى القوات الفرنسية وباستشهاد هذا القائد العظيم طويت صفحة ناصعة من صفحات الجهاد للشعب الفلسطيني.
رحمك الله يا أبا كمال يا أعز الرجال وأنبلهم.
************************************************** ************************************
منقووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووو ووووووووووووووووووووول