الولد مغمض العينين تأكله الحمى وهو شاحب اللون تصطك أسنـانه وتعتريه الرعشة والرجفة من حين إلى آخر . فهو متعب ، أوصالة تختلج كباقي جسمه . وهو في أشد حالات الإعياء ، بينما كانت أمه جاثية على ركبتيها تعبث بشعره ولا تدري ماذا ستصنع لإنقاذ وليدها وهي تبكي بكاءً مراً تستجدي العون وهي ترنو بطرفها إلى ابنها مرة وترفع بصرها إلى السماء مرة ثانية متوسلة ، تتضرع إلى ربها وقلبها يعتصره الألم وهـي ترى ابنها فـي صـراع مـع المــوت وليس لها حول ولا قوة يتنفس تنفساً متقطعاً يشبه الحشرحة . وكأنه يلفظ أنفاسه وراحت تشكو أمرها إلى الله طالبة منه إنقاذ ولدها ـ ويقرع الباب فجأة ، ويدخل عجوز ، ثم يجلس بجانب الأم المسكينة التي لا ترفع نظرها عن ولدها ، ولما شعرت بوجوده سألته بصوت يائس مرتجف :
- هل تعتقد أيها الشيخ أن ولدي وفلذة كبدي . وتنهدت وتابعت وحبيبي سيتماثل إلى الشفاء ؟
فأجاب بصوت خشن ، ووجه عبوس وحاجبين مقطبين وسحنة مخيفة :
- كلا ، وإنني أتيت لإخبارك بأن الموت يتأهب لاختطافه من بين يديك ، فاهتزت وجلاً وأصبحت في وضع وكأنها لبوة تتحفز للانقضاض عليه واجتزاز لسانه من جذوره وصرخت : " يا للرحمة ، وهي تتوسل قل لي أيها العجوز كيف يمكنني أن أرى الموت ؟ وفي أي مكان ؟ إنني سأتضرع إليه عساه يتركني وشأني ويترك ابني حياً ليتماثل إلى الشفاء بإذن الله ورحمته . فأجاب :
" اذهبي أيها الأم الرقيقة سيدلونك على الطريق . إنني باق هنا للاهتمام بابنك . قذفت الأم بنفسها لتوها نحو الشارع ملبية نصيحة العجوز وقد امتلأ صدرها أملاً وعاودتها شجاعتها ، فصــادفت امرأة متشحةً بالسواد من رأسها إلى أخمص قدميها تجلس على الثلوج البيضاء المتراكمة في الشارع فسارعت إليها لتسألها عن الطريق إلى التي يجب أن تسلكها للوصول إلى ملاك الموت . فأجابت المرأه :
يجب عليك ، قبل كل شيء ، أن تغني لي جميع الأغنيات التي تغنينها لولدك وتابعت : إنني أحبها جداً وأحب أنغامها الشجية ، لقد سمعتها منك كثيراً ، إنني الليل ، كنت أشاهد في ظلمتي وسوادي الدامس دموعك المنهمرة في أثناء الغناء .
فلم يكن من الأم ، وهي في تلك الحالة من اللوعة والرغبة في مواجهة الموت قبل أن يفعل أمراً كان مكتوباً ، إلا أن استجابت لرغبة الليل قائلة : سأغنيها سأغنيها بكاملها ، بكاملها ، ولكنني أريد الذهاب بسرعة عسى أن أنقذ ولدي . ثم جمعت كلتا يديها للاستعطاف وباشرت الغناء بصوت لا يكاد يتجاوز شفتيها وكانت الأغنيات كثيرة ولكن دموعها كانت أكثر إلى أن أعياها التعب فسقطت مغمى عليها ، مما جعل الليل يشفق عليها فقال لها أخيراً ، بعد أن عادت إلى وعيها .
- اذهبي إلى هناك وأشار بيده إلى غابة الصنوبر . فقفزت مسرعة . ولما صارت في قلب الغابة سقطت في دوامة من الفزع والحيرة لا تعرف أي طريق تسلك . وكان بالقرب منها مجموعة من أشجار العوسج عارية من الورق ومن الزهر تتدلى منها أقلام من الجليد .
فسألتها هل تعلمين أي طريق يجب أن أسلك كي أرى الموت قبل أن يقضي الله أمراً كان مكتوباً فينتشل ابني مني ويختطف ولدي الذي أعياه المرض وهو في حالة هذيان ؟
فأجابها الشوك : " نعم غير أنني ، قبل أن أدلك أرغب إليك أن تضميني إلى قلبك لاستدفئ قليلاً فإنني جامد بارد كالجليد كما ترين .
سارعت الأم إلى ضم الشوك إلى صدرها بقوة حتى أصبح دافئاً . ولكنه اخترق لحمها الطري فانفجرت منه الدماء الحارة كالينابيع الغزيرة . فاكتسى حينذاك الشوك من جديد بأوراق خضراء تزينها الزهور المتفتحة اليانعة في تلك الليلة الباردة وقد ارتوت من قلب أم حزين .
وحينذاك أشارت كتلة الشوك إلى الطريق الذي يجب أن تسلكه الأم للوصول إلى هدفها وصلت إلى بحيرة كبيرة يجب اجتيازها . فحارت المسكينة في أمرها : هل تعود أدراجها بعد أن لاح لها بريق من أمل ؟ ولكنها صممت على كسر كل صعوبة مهما كانت بعيدة المنال فاندفعت إلى مائها لابتلاعها ولكن هيهات من إدراك مأربها بهذه الطريقة . وما إن ابتلعت أول جرعة حتى سمعت صوت البحيرة يقول :
إن هذا فوق طاقة البشر يا عزيزتي ـ ولكن إذا ذرفت الدموع باكية باكية إلى أن تسقط عنياك في قرارة الماء أحملك بعد ذلك إلى الطرف الآخر حيث تصبحين من الموت قاب قوسين أو أدنى . فصاحت الأم البائسة بلهفة وحماس :
لن أبخل بأي غال من أجل إنقاذ ولدي وفلذة كبدي وبكت ثم بكت إلى أن سقطت مقلتاها في البحيرة وغاصت في أعماقها . وتحولتا إلى جوهرتين كريمتين . فحملتها المياه كما يحمل القارب ركابه وأوصلتها إلى الضفة الثانية قريباً من سكن الموت . وما إن وصلت إليه حتى شاهدت عجوزاً تعترضها . فسألتها عن سيدها . فأجابت :
- اسمحي لي بشعرك الأشقر الجميل المتدلي على كتفيك كالحرير إنه يعجبني وسأمنحك بالمقابل شعري الأبيض اليابس الذي يشبه الليف بقساوته ، وأدلك بعد ذلك على البيت الذي تقصدينه . فأجابت الأم المعذبة – إنني أمنحك شعري بسرور زائد ، وقدمت شعرها وأخذت عوضاً عنه شعر العجوز الأبيض الذي يشبه الثلج ببياضه وخشونته :
غابت العجوز بعد دقائق ثم عادت للأم : يعرف الموت بأنك قد أعطيت من أجل ابنك أغنياتك ودموعك وقلبك وجمالك، وشبابك ، وعينيك ، ويعرف أيضاً بأن الآلام والمتاعب قد أنهكت أيامك ، ولذا فإنه يرحم ابنك عودي إلى دارك سيعيش ولدك فقد أنقذت حياته . أنت أم ككل أم تعطي وليدها بسخاء كل ما تستطيع من أجل رعايته وحفظه صحيح البنية سليم العقل كريم النفس . لا تعجبي أيتها الأم فإن يومه لم يحن بعد فكل عمر محدود والأعمار بيد الله ، وليست لنـا في ذلك سـوى العناية والرعاية . ولكنني سأهديك هذه الحكاية لتحفظيها وتبقى ذكرى بيننا في يوم من الأيام وقبل عشرين عاماً فاجأ زلزال قرية من قرى إحدى البلاد اللاتينية ، ولما حضر رجال الإنقاذ شاهدوا بين الخراب والدمار طفلاً على حافة وهو يبكي . فسارعوا لإنقاذه ففوجئوا بمشهد تقشعر له الأبدان ويستدر دموع العطف والحنان : ريفية بين صخرتين كبيرتين فارقت الحياة ويداها مرفوعتان إلى أقصى ما يمكنها رفعهما . وعلى أصابع يديها طفلها الذي كان يبكي : لقد فاجأها الزلزال فانشقت الأرض وابتلعتها ولكن عاطفة الأمومة دفعتها لرفع الولد إلى أعلى الهوة فأنقذته قبل أن تفكر بإنقاذ نفسها وأطبقت عليها جوانب تلك الهوة . ولم تتمكن من الحراك حتى ماتت ولكن ابنها عاش . هذا هو الإيثار الذي لا يمكن أن نرى مثله سوى لدى الأمهات .
فهنيئاً لكِ التضحية أيتها الأم العظيمة ، أسرعي فإن ابنك بانتظارك هناك ، وهكذا عادت الأم خالية الوفاض بادية الأنقاض من كل ما وهبها الله لتسعد بوليدها الذي عادت إليه الحيـــــــاة.
-----------------------------------------------------