السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
القصة شوية طويلة بس رائعة رغم انه فاقد نطق و مبرمج على حاسوب فلديه امل في الحياة
شاء ربي أن يبتليني فهذه حال الحياة الدنيا، أرادها الله دار ابتلاء، أما دار البقاء فهي الحياة الآخرة"، بهذه الكلمات بدأ "خلدون سنجاب" الشاب السوري قصته حول إعاقته، فقال:
نشأت في أسرة بسيطة، وقد سخر الله -عز وجل- لي أمي -طيَّب الله ثراها- لتقوم على تنشئتي بأفضل ما تستطيع؛ إذ عملت على توجيهي نحو المطالعة، وأحاطتني بالكتب العلمية القيمة، وبعد أن أتممت المرحلة الإعدادية سجلتني في دورات للغة الإنجليزية والإلكترونيات والبرمجة بلغة QBasic، التي كان لها أثر حاسم في حياتي لاحقا.
نلت الشهادة الثانوية في صيف عام 1994 بتفوق، ولم أتوجه إلى كلية الطب برغم أن معدلي يؤهلني لذلك، بل انتسبت إلى كلية الهندسة الإلكترونية؛ نظرا لتعلقي بالإلكترونيات والحاسوب.
حادث غير حياتي
ذات يوم كنت أسبح في بحر ساحل طرطوس، واعتليت قاربا كان يقترب من الشاطئ دون أن أنتبه.. قفزت إلى الماء إلا أنه كان ضحلا للغاية فارتطم رأسي بقعر البحر، وفقدت وعيي على إثرها لبرهة، وعندما أفقت وجدتهم يحملونني من ذراعيَّ ورجليَّ باحثين عن عربة ليسعفوني إلى مستشفى قريب، لم أستطع الكلام، أقلني أبي بسيارته إلى المستشفى، فقدت وعيي مجددا في السيارة وبدأت بالاختناق، وأصبحت مزرق اللون، وحينها قام أحدهم بالنفخ في فمي مما مكنني من التنفس بصعوبة، حتى وصلنا إلى مستشفى طرطوس الوطني، وفي المستشفى قرر الأطباء أنه يتوجب نقلي إلى دمشق.
هناك أظهرت الصور كسرا في الناتئ السني للفقرة الرقبية الثانية، مما تسبب بأذى مستديم في النخاع الشوكي، ولأن الإصابة كانت أعلى العمود الرقبي فلم أفقد فقط قدرتي على تحريك أطرافي الأربعة، لكنني فقدت القدرة على التنفس بسبب شلل الحجاب الحاجز، فأصبحت معتمدا على جهاز التنفس الصناعي، بالإضافة إلى فقدان الحس تحت مستوى رقبتي.
بقيت في غرف العناية المشددة مرتبطا بالمنفسات لأكثر من 7 أشهر متنقلا بين أربع مستشفيات، وأخيرا قرر أبي استيراد جهاز صناعي بالمنزل، وعدت إلى المنزل بعد أكثر من 7 أشهر من الحادث، وبعد سنة منه تقريبا استأجر خالي حاسوبا لمدة شهر كان كافيا لإعادتي إلى عالم البرمجة.
بدأت بشراء بعض الكتب العربية عن البرمجة، وتعلمت لغة C، ثم بدأت بقراءة كتب إنجليزية عن لغة C++، والبرمجة الثلاثية الأبعاد، وترجمت كتابين منها، بقي كل ذلك نظريا حتى أحضر لي خالي حاسوبا دائما، فبدأت بتطبيق ما تعلمته، وكنت أتواصل مع الحاسوب عن طريق موظفة كانت تطبق ما ألقنها إياه، وكنت أرى النتائج على شاشة موضوعة إلى جانبي.
الفأرة ولوحة المفاتيح
مشكلتي مع جهاز الحاسوب كانت اعتمادي على شخص آخر لتنفيذ الأوامر، وكانت هذه المشكلة تتعاظم بعد انتهاء دوام العمل لهذا الشخص؛ حيث تنقطع علاقتي بالحاسوب تقريبا، وأضطر للانتظار حتى اليوم التالي، الأمر الذي دفعني للبحث عن حلول أخرى.
هنا تطوع أحد أصدقائي بالتصدي لهذه المشكلة، وبالفعل وفقه الله لابتكار فأرة ميكانيكة، وتصنيعها بالكامل.
أضحى هذا الاختراع وسيلتي المباشرة للتحكم بالحاسوب، وأصبحت قادرا -للمرة الأولى- على التواصل مع الحاسوب دون وسيط، وباستخدام برنامج On-Screen Keyboard الملحق بـ Windows أصبحت قادرا على الكتابة دون استخدام لوحة المفاتيح المادية إلا أن البرنامج لم يكن مرنا بشكل كاف، فوفقني الله إلى تطوير برنامج لوحة المفاتيح الفعلية، الذي استخدمته لتحرير هذا النص، لكنني عانيت من مشكلة عجزي عن التصرف إذا تجمد الحاسوب بسبب خلل ما، فطورت برنامجا يقوم بإعادة الإقلاع في حال تجمد مؤشر الفأرة لأكثر من 3 دقائق، إلا أن البرنامج كان يعجز عن العمل إذا طال التجمد البرنامج بحد ذاته.
والأمر هكذا، قمت -أنا وصديقي- بتزويد الفأرة بزر لإعادة الإقلاع في حال الطوارئ، كما أن الفأرة كانت تربط على وجهي كاللجام مما تسبب بحساسية في وجهي، فبدأت البحث عن حل جديد، وعثرت على سماعات رأسية متينة.
قمت بتثبيت الفأرة عليها، ولكن سرعان ما أُضير صيوانا أذني من السماعات، مما دفعني لابتكار حل جديد بتثبيت الفأرة إلى السرير بوساطة حامل معدني، وحل هذا الأسلوب لم يكن مرنا بشكل كاف، بسبب عدم إمكان تغيير الطول الأفقي للحامل.
وكنت سمعت عن فأرة لمسية شاهدتها بالفعل في الحواسيب المنقولة وبعض لوحات المفاتيح، لذا أوصيت أصدقائي بالبحث عن هذه الفأرة.
وتمكن أحدهم من العثور على إحدى لوحات تلك المفاتيح بأحد المعارض، وتم تطويرها بنزع الفأرة من لوحة المفاتيح وقصها وتعديل شكلها وتثبيتها على الحامل المعدني.
وبإضافة زر إعادة الإقلاع إليها وبمعاونة صديق لي تم تعديل الحامل ليصبح من الممكن تغيير الطول الأفقي له، وهو الشكل النهائي الآن، وقد أصبحت الفأرة -بفضل الله ثم بفضل جهود أصدقائي، وبعد كل هذه التعديلات- مرنة إلى درجة ممتازة، مما مكنني من التعامل مع الحاسوب بشكل أفضل من ذي قبل.
لغة البرمجة
زارني أحد أصدقائي مرة، وكان معه أحد الأشخاص الذي اتضح أنه يشغل منصب مدير قسم البرمجة في شركة Young Future، والذي سمع من صديقي عن خبرتي في لغة C++ والبرمجة الثلاثية الأبعاد، فطلب مني أن أعلمه اللغة، فتعلمها مني ومعي، وبعد غياب 3 أشهر عاد ليطلب مني العمل مع الشركة، فأصبحت مبرمجا في Young Future في سبتمبر/أيلول 2000؛ حيث أسهمت في الشركة بمشاريع عدة، وما زلت.
دفعتني تلك المشاريع إلى تعلم الكثير من التقنيات، وازدادت خبرتي كثيرا، وصقلت مهاراتي، وتطورت خلال عملي في الشركة.
أخيرا: حظيت بشرف زيارة مدراء Young Future، وهي شركة كبيرة تعمل في مجال الإعلام المرئي الموجه للأطفال، وهي الشركة الأم لشركات عدة، منها شركة الزهرة للدبلجة Venus وشركة SpaceToon للبث الفضائي.
في الختام يوجه "خلدون" تحية لكل من ابتلاه ربه، داعيا له بالفرج، وحسن الختام، مطالبا إياه بالاستمرار في العمل الدؤوب، فالحياة لا تنتهي بالبلاء، طالما أن هناك عقلا سليما، وقلبا مؤمنا، ولسانا ذاكرا، وأملا برحمة الله تعالى في الدنيا والآخرة.