لمحات من حياة الإمام الجليل محمّد العربي التّباني المكّي
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
---------------------------------------
رائدنا اليوم عالم متميز شارك في كل الفنون
عقولها ومنقولها
وهو العلامة محمد العربي بن التباني بن الحسين بن عبدالرحمن بن يحيى السطيفي المغربي المكي
المدرس بالحرم الشريف
-------------------------------------
ولد شيخنا العربي التباني بقرية رايس الوادي
من أعمال شطيف بالمغرب الأوسط (الجزائر)
سنة 1315هـ
وتلقى تعاليمه حيث حفظ القرءان الكريم
وعمره أثنا عشر عاماً
وحفظ معه بعض المتون الصغار
مثل الأجرومية
والعشماوية
والجزرية
وقد تلقى هذه العلوم وهو في كفالة والده
ثم شرع في التوسع وبدأ في تلقي بعض المبادئ في العقاد والنحو والفقه على يد عدة مشايخ وعلماء أفاضل من أجلهم
الشيخ عبدالله بن القاضي اليعلاوي رحمه الله تعالى
وبعد ذلك رحل إلى تونس
ومكث بها أشهراً درس أثناءها على أيدي بعض
مشايخ جامع الزيتونة
المشهورين في الفقه والنحو والصرف
والتجويد أداء وقراءة
مع حفظ بعض المتون الأخرى التي لم يحفظها.
بعد هذه الرحلة أكرمه الله تعالى
برحمة أخرى
إلى المدينة المنورة
الشافية
قرية الأنصار
على منورها أفضل الصلوات والتسليمات
حيث لازم فيها كبار العلماء
خاصة المالكية ومنهم
العلامة أحمد بن محمد خيرات الشنقيطي التندغي
وقرأ على يديه
الدردير على مختصر خليل
وأيضاً الرسالة البيانية
ومسيرة ابن هشام
والمعلقات السبع
وديوان النابغة
وسنن أبي داود
ولازم أيضاً بالمدينة المنورة
العالم المشهور العلامة حمدان بن احمد الونيسي
المتوفى عام 1338هـ
حيث قرأ عليه
تفسير الجلالين
والفية ابن مالك بشرح ابن عقيل
ومن مشائخه أيضاً
ببلد المصطفى عليه الصلاة والسلام
الشيخ عبدالعزيز التونسي
المتوفى عام 1336هـ
حيث قرأ عليه كماً كبيراً
من موطأ مالك مع الشرح للزرقاني
وقطعة من مختصر خليل
وممن لازمه شيخنا العربي التباني
اللغوي الشهير محمد محمود الشنقطي
ثم بعد ذلك رحل إلى دمشق الشام
حيث مكث فيها شهوراً وكان يزور
مكتبة الملك الظاهر المعروفة بالظاهرية
وأحياناً كان يتردد على دار الحديث الإشرافية
ثم خرج من دمشق
وقصد أم القرى مكة المكرمة
بعد أن تكبد مخاطر الطريق ومشاق السفر
حيث وصل مكة المكرمة
في شهر رجب عام 1336هـ
وبدأ بالدراسة والحضور في حلقات العلم بالمسجد الحرام و أخذ من تلك الأنوار حيث أخذ عن
الشيخ عبدالرحمن الدهام المتوفى عام 1337هـ
دروساً في فنون شتى فقرأ عليه
شرح زكريا الأنصاري
وأخذ عن الشيخ مشتاق أحمد الهندي
شرح القطبي على الشمية
ولبراعته وحذاقته في الفهم
ختم مع القراءة والمطالعة كثيراً من الكتب الكبيرة والصغيرة والرسائل وجميعها في الطبقات والتراجم والسير والتاريخ.
وفي عام 1338هـ
عين مدرساً بمدرسة الفلاح بمكة المكرمة
نظراً لتفوقه ونبوغه فاشتغل بالتدريس
تحت أروقة الحرم المكي الشريف
وقام بتدرسي
الحديث
والتفسير
والأصول
والبلاغة
والتاريخ الإسلامي
وختم الطلاب عنده كثيراً من الكتب
منها الصحيحان
وموطأ مالك
والجامع الصغير للسيوطي
وتفسير البيضاوي
والنسفي
وابن كثير
وجمع الجوامع
وسيرة ابن هشام
وعقود الجمان
والاتقان في علوم القرآن
وتخرج من تحت يديه تلاميذ كثيرون أصبحوا بعده
قناديل تضيء ساحات الحرم
ومنهم العلامة علوي بن عباس المالكي
والعلامة الفاضل الشيخ محمد نور سيف بن هلال
والعالم الصالح محمد أمين كتبي
ومن تلاميذه أيضاً
فضيلة الدكتور محمد علوي مالكي
ولقد كان شيخنا العربي التباني
من عادته أن يدرس في الحرم
خمس ليال في الاسبوع غلى جانب الدروس التي كان يلقيها بمدرسة الفلاح وبعد ذلك اختصر دروسه على ليلتي الجمعة والسبت في الحرم المكي حيث كان يدرس
الجامع الصغير للحفاظ
السيوطي
والسيرة
مع الاستمرار في التدريس في منزله
لكبار الطلبة يومياً
من الضحى إلى الظهر
ثم في المساء يدرس في شتى الفنون
ولقد كان رائدنا
صاحب فهم تام
وذكاء مفرط،
وكان متواضعاً معروفاً
بين كل من يعرفه بالخلق الطيب الحسن
ولقد كان شيخنا الغربي التباني
تربطه محبة مودة مع تلاميذه الذين تلقوا العلم على يديه ومن الذين تأثروا به
تلميذه الشيخ حسن مشاط
فقد تأثر به تأثراً كبيراً حتى في معاملته كذلك كانت تربط
شيخنا بالسيد علوي مالكي رحمهم الله
علاقة قوية
اساسها محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم
وكثير ممن تلقوا العلم على يدي شيخنا اصبحوا فيما بعد علماء يلقون الدروس في الحرم الشريف وازدهرت بهم جنبات الحرم واصبحت حلقاته العلمية
نورا يضيء أروقة الحرم.
وكان رحمه الله
يشفق كثيراً على الفقراء
وصاحب هيبة ووقار
وحسن التقرير في درسه
مع التوسع في الشرع والبيان
عامر الوقت بالذكر والمذاكرة ويدعو إلى الله بحاله وماله.
ولشيخنا العربي التباني
رأي في التأليف حيث جاء في حاشية
كتابه
(محادثة أهل الأدب بأخبار وأنساب جاهلية العربي)
قال: لا أميل إلى التأليف عملا بنظريه القائل
ما ترك الأول للآخر شيئاً
حتى قال استغفر الله من أن أقول هذا هضماً
لحقوق العلماء الشارحين
فإنهم عندي بالمكان الأعلى
من التوقير والاحترام
وما من شرح وحاشية
إلا وفيه فوائد
ولكن أقول هذه الكثرة لم تنتج شيئاً يقارب علم الأقدمين فضلاً عن مساواته بل أظهر فضل المتقدمين.
ويقول الشيخ العربي التباني رائدنا اليوم
لقد سمعت من شيخي
الشيخ حمدان الونيسي رحمه الله تعالى
يقول:
(التأليف في هذا الزمان ليس بمفخرة
فشيخنا صاحب رأي قوي التصرف والإدراك
مع الأدب الجم الكبير للعلماء الأجلاء
فهو لا يغلق الباب ولكنه يقيم أعمال المتأخرين بالنسبة للمتقدمين ولكن قول القائل ما ترك الأول للآخر شيئاً.
ولشيخنا مصنفات كثيرة نافعة ومفيدة
رغم رأيه المذكور في التصنيف حيث كتب من أجل تصحيح بعض الأخطاء والرد على المخالفين:
1- اتحاف ذوي النجابة بما في القراءان الكريم والسنة النبوية من فضائل الصحابة.
2- النصيحة والاستدراكات على كتاب المحاضرات للخضري أو تحذير العبقري.
3- اعتقاد أهل الإيمان بنزول المسيح بن مريم عليه وعلى نبينا السلام آخر الزمان.
4- جمع الفرائد محادثة أهل الأدب أخبار وأنساب جاهلية العرب.
5- خلاصة الكلام فيما هو المراد بالمسجد الحرام.
6- إسعاف المسلمين والمسلمات بجواز القراءة ووصل ثوابها إلى الأموات.
وللشيخ العربي التباني
كتب كثيرة لم تطبع مثل
- حلبة الميدان ونزهة الفتيان في تراجم الفتاك والجشعان
-
- وبراءة الأبرار ونصيحة الأخبار من خطل الأغمار
-
- ومختصر تاريخ دولة بني عثمان
-
- وكتاب آخر لم يطبع له أيضاً ما هو إدراك الغاية من تعقب ابن كثير في البداية.
وبعد حياة حافلة بالخير ومسيرة إسلامية طيبة
درس خلالها تحت أروقة الحرم المكي
-------------------------------
تشع أنواره في أرجاء الحرم
معلما لمبادئ الدين الإسلامي
توفي شخينا السيد الشريف العربي التباني
وانتقل إلى رحمة الله تعالى
في شهر صفر الخير عام 1390هـ
بمكة المكرمة
وصلي عليه بالمسجد الحرام
ودفن بمقابر المعلاه
واشترك في تشيعه عدد كبير من العلماء وأهل العلم ومحبيه وتلاميذه وعارفي فضله
وهكذا ودع أهل مكة
عالما من علمائها الأجلاء الأفاضل الأفذاذ
وصالحاً من الصالحين
وفقدت مكة
بوفاته رجلاً من الأعيان والأعلام مثلما
فقدت مكة قبله وبعده مثله رحمه الله
من أهل القلم وأقطاب المعرفة، ولفراقه عم حزن كبير أرجاء مكة المكرمة، رحمه الله رحمة واسعة واسكنه فسيح جناته وجزاه الله عن العلم والعلماء خير الجزاء نظير ما قدم من علم وعمل وجعل الجنة مثواه.
---------------------------------------------------
بقلم
الأستاذ الفاضل الكاتب الكبير
عبدا لرحمن عربي المغربي
حفظه الله ونفعنا به