[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]
يغلب على سكان المدينة الهدوء وسعة الصدر، ولا تجد في المدينة من يعرف بسرعة الغضب.
انخفاض الصوت حتى في الأسواق، فلا تسمع الأصوات المرتفعة بدون مبرر، وإذا سمع صوت مرتفع تجد الناس يلتفتون إلى مصدره وفي النتيجة تجد أن صاحب الصوت المرتفع هو غريب عن المدينة، وذلك عملاً بقول الله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا لاترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون)). وكما أثر أن عمراً سمع صوتاً مرتفعاً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى بالرجل الذي رفع صوته وسأله عن بلده، فقال أنه من الطائف فقال: (والله لولا أنك غريب لأوجعتك ضرباً). فالتأدب في المجتمع المديني أحد مظاهره عدم رفع الصوت، كما كان في الماضي فلا زال ملموساً في الأسر المدنية المتمسكة بالعادات والتقاليد الموروثة عن
من خصائص المجتمع المديني الحسنة:
الترحيب بالقريب ولو لم يكن ذا معرفة، فمتى عرف أحد أن الذي إلى جواره في المسجد، أو في أي تجمع آخر أنه غريب بادره بقوله تفضلوا عندنا أو شرفونا أو يسعدنا حضوركم. وذلك يجعل الكثير من زوار المدينة يلهج بالثناء على سكانها ومعاملتهم الحسنة وحبهم للغريب. وقد قال الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم) ((ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)). ويعتبر كل فرد في المدينة أن الزائر للمدينة هو زائر له، وهو بالتالي ضيفه، ونجد المديني يجتهد في إكرام ضيفه بدون أن يشق على نفسه، ويقدم ما في مقدوره في بادئ الأمر، وإذا كان الضيف من علية القوم تعد له وليمة على قدر مقامه، وكثير منهم يعمل بالمثال العامي (لاقيني ولا تغديني) وهو يدل على سماحة القوم، وأصبح لهم من سماحة وكرم جارهم صلى الله عليه وسلم نصيباً.
التآلف:
في المدينة تشعر بالتآلف بين السكان، ولو كانوا من أصول مختلفة فتجد من أصوله هندية، مثلاً يشعر بالقرب والأخوة من جاره الذي جاء من بلاد الأناضول، وهما يشعران بنفس الشعور نحو الإفريقي أو العربي أو أي جنس آخر، ولا تشعر بأي فارق بين هذه الأجناس إلا ما يتصل بالوضع القانوني. ولقد عملت المدينة على صهر هذه الأجناس في بوتقة واحدة هي بوتقة محبة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، ولهم فيه أسوة حسنة حيث أنه صلى الله عليه وسلم قام بالتآلف بين المسلمين، وجعل منهم مجتمعاً إسلامياً متحاباً، وأزال ماكان بينهم من عداوات. وذلك عندما قدم عليه الصلاة والسلام إلى المدينة كان سكانها من قبيلتين هما الأوس والخزرج في حروب طاحنة، فعمل على إزالة هذه العداوات، وذلك بأن آخى بين الأوس والخزرج، وأصبح يطلق عليهما اسم واحد وهو الأنصار. كما آخى بين الأنصار والمهاجرين ليكونوا أمة واحدة هي ((المسلمون)) إذاً فالتآلف والمحبة هي سمة ملازمة لسكان المدينة مهما كانت أصولهم ومهما تعاقبت الأيام والأزمان.
العلاقات بين أفراد الأسرة:
تقوم العلاقات بين أفراد الأسرة على الاحترام التام، حيث يقدر الصغير الكبير ويرحم الكبير الصغير. كما قال الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم: ((ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا)). ومن مظاهر ذلك أن الولد الصغير ينادي أخاه الذي يكبره بقوله ياسيدي، أو ياسيدي فلان، وكذلك يدعو أخته التي تكبره بقوله ياستيته، أي الست الصغيرة أو أختي، لأن الست الكبيرة عند أهل المدينة هي الجدة. أما بالنسبة للزوجة فإنها لاتدعو زوجها بإسمه المجرد بل تدعوه بقولها أبو فلان، وهو يدعوها يا أم فلان، ولو لم يكن لهما أولاد. وهناك قاعدة أخلاقية تعرف بالتعامل بين أفراد المجتمع المدني هي من هو أكبر منك فهو عمك، أي أنه من العيب أن تدعو من هو أكبر منك بإسمه المجرد بدون أن تضيف له كلمة ياعم، وهذه العمومية تقدير له، وذلك بالنسبة للأباعد ناهيك بالأقارب.
العلاقة بين الجيران:
توضح العلاقة بين الجيران الأمثلة الشعبية التي تتردد على ألسنة الناس في المدينة وهي: ((الجار قبل الدار)) أي البحث عن الجار قبل البحث عن الدار. وقولهم: ((جارك القريب خير من أخيك البعيد)) لأن الجار القريب من البيت أو الدكان أكثر التصاقاً بك من أخيك الذي قد يكون في بلد آخر أو شارع، فإنك عندما تحتاج إلى مساعدة سوف يكون الجار أقرب من الأخ وبالتالي يقدم لك المساعدة قبل أن يصل إليك أخوك البعيد. فالعلاقة بين الجيران علاقة أخوية، وذلك يتضح عندما يكون عند أحدهم مناسبة زواج مثلاً فإن صاحب الزواج يحضر الطباخ وما يلزم، ويقوم الجيران باستقبال الضيوف في بيوتهم، ويقدمون لهم القهوة والشاي والماء، ويقوم كل واحد من الجيران مقام صاحب المناسبة من استقبال الضيوف وتقديم الضيافة. هذه الصورة التعاونية تتكرر في كل مناسبة. وصورة أخرى من التلاحم بين الجيران عندما يرى أحد الجيران أحد أبناء جيرانه أساء الأدب أو أخطأ على أحد في الشارع فيقوم الجار بتأديب هذا الإبن، ثم يقوم بإخبار والده بأنه قام بذلك فيشكره أبو الولد. ومن الصور التي تتردد على مسامعنا في الأسواق أن صاحب الحانوت عندما تأتي في الصباح لتشتري منه سكراً وشاياً لعمل براد الشاي في القهوة فهو يعطيك السكر ويقول لك اشتر الشاي من جاري حتى يستفتح. وتتجلى العلاقات الحسنة بين النساء حيث عندما تطبخ إحداهن ترى من الواجب عليها إطعام أقرب الجيران إليها مما طبخت وفي حالات الولادة والنفاس فإن نساء الجيران يقمن بالمعاونة في ذلك وبأعمال البيت من طبخ وغسل وما إلى ذلك، حتى تقوم جارتهن وإذا غاب أحد الجيران عن بيته فإنه لا يخاف على بيته أن يحتاجوا إلى شيء من السوق فما على ست البيت التي ليس لديها أحد يوصل لوح العيش إلى الفرن، فإنها تضع اللوح عند الباب فأول من يمر على ذلك الباب يأخذ اللوح إلى الفرن ويقوم بخبزه وإعادته إلى مكانه وذلك كان من كان وقصة المفتي الذي أخذ اللوح إلى الفرن على رأسه بعد أن نزع العمامة، ولم يأمر خادمه بذلك معروفة في المدينة. وهذه الصورة المشرفة التي نسردها ليست من نسج الخيال بل هي حقائق عشناها، وعندما نقوم بنشرها لاطلاع هذا الجيل الذي فقد هذه المعاني ليتروحوا معاني وصور جميلة كانت في هذه المدينة النبوية معروفة ومتداولة. ومن خصائص أهل المدينة أنهم قد يتباعدون داخل مدينتهم، ولكن ما أشد ألفتهم ورعايتهم حين يتلاقون خارج المدينة، ولو لم يتعدوا إلا قيد مرحلة.
الآباء والأجداد ولاسيما التي لها أصول عريق
تحياتي 