مسجد البيعة في موقعه الحالي يوثق لمرحلة حاسمة من تاريخ
الاسلام، قصة البداية يرويها بالتفصيل الامام الازرقي: (عن ابي الزبير محمد بن مسلم، انه حدثه جابر
بن عبدالله الانصاري ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لبث بمكة عشر سنين يتبع الحجاج في
منازلهم في الموسم بمجنة، وعكاظ، ومنازلهم بمنى (يقول)، (من يؤويني وينصرني حتى ابلغ رسالات
ربي وله الجنة) فلا يجد احدا يؤويه ولا ينصره، حتى ان الرجل يرحل صاحبه من مضر او اليمن، فيأتيه
قومه او ذوو رحمه، فيقولون: احذر فتى قريش لا يفتنك، يمشي بين رحالهم يدعوهم الى الله، يشيرون
اليه باصابعهم حتى بعثنا الله له من يثرب، فيأتيه الرجل منا فيؤمن به، ويقرئه القرآن، فينقلب الى اهله
فيسلمون باسلامه، حتى لم يبق دار من دور يثرب الا وفيها منا رهط من المسلمين يظهرون الاسلام،
ثم بعثنا الله له فائتمرنا واجتمعنا سبعين رجلا «منا»، فقلنا: حتى متى ندع رسول الله صلى الله عليه
وسلم يطرد في جبال مكة ويخاف؟ فرحلنا حتى قدمنا عليه في الموسم، فتواعدنا شعب العقبة، واجتمعنا
فيه من رجل ورجلين حتى توافينا عنده، وقلنا يا رسول الله علام نبايعك؟ قال: (تبايعونني على السمع
والطاعة، في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الامر بالمعروف والنهي عن
المنكر، وعلى ان تقوموا في الله لا تأخذكم في الله لومة لائم، وعلى ان تنصروني اذا قدمت عليكم
يثرب، فتمنعونني مما تمنعون منه انفسكم، وابناءكم، وازواجكم ولكم الجنة، فقمنا اليه نبايعه، فاخذ بيده
اسعد بن زرارة - وهو اصغر السبعين رجلا- الا انا، فقال: رويدا يا أهل يثرب انا لم نضرب اليه اكباد
المطي، الا ونحن نعلم انه رسول الله صلى الله عليه وسلم ان اخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل
خياركم، وان تعضكم السيوف، فاما انتم تصبرون على عض السيوف اذا مستكم وعلى قتل خياركم ومفارقة العرب كافة، فخذوه وأجركم على الله، وإما انتم قوم تخافون على انفسكم خيفة، فذروه فهو
اعذر لكم عند الله، قالوا: امط عنا يدك يا اسعد بن زرارة، فو الله لا نذر هذه البيعة، ولا نستقيلها فقمنا اليه رجلا رجلا، يأخذ علينا شرطه، ويعطينا على ذلك الجنة.
موضع منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ومنازل اصحابه في حجة الوداع: نظم رسول الله
صلى الله عليه وسلم منازل صحابته الكرام بمنى، فاقام المهاجرين امام مسجد الخيف، والانصار من
ورائه، وأقام صلى الله عليه وسلم منزله على يسار المصلى كما روي هذا، عن طاووس قال: كان
منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى، على يسار مصلى الامام، وكان ينزل ازواجه (موضع) دار
الامارة، وكان ينزل الانصار خلف دار الامارة، واومأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الناس ان ينزلوا ها هنا، وها هنا.
وذكر العلامة ابو العباس احمد بن عبدالله بن محمد بن ابي بكر محب الدين الطبري، في رواية خطبنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم ففتح الله اسماعنا حتى ان كنا لنسمع ما يقول ونحن في منازلنا، فطفق
يعلمهم مناسكهم حتى بلغ الجمار فوضع اصبعيه السبابتين، ثم قال: بحصى الخذف، وامر المهاجرين
ان ينزلوا في مقدم المسجد، وامر الانصار ان ينزلوا من وراء المسجد اخرجهما ابو داوود، وعن معاذ
او ابن معاذ، من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم الناس مناسكهم بمنى قال: ففتح الله اسماعنا حتى انا لنسمع ونحن في رحالنا.
قال: ينزل المهاجرون كذا، وينزل الانصار الشعب بمنى، الذي من وراء دار الامارة، ونزل الناس منازلهم، قال (وارموا بمثل حصى الخذف) اخرجه الازرقي.
يعلق الامام ابو العباس الطبري المكي على هذين الحديثين في تحديد دار الامارة بمنى قائلا: وهذا
الحديث مضاد لما قبله، فان دار الامارة اليوم بين الجمرتين اللتين تليان مسجد الخيف بعيد منها فلعل
دار الامارة كانت عند المسجد في ذلك الزمان، وما استنبطه الامام الطبري رحمه الله تعالى صحيح فقد
جاء ذكر هذا عند الامام الازرقي في معرض حديثه عن اقامة بعض السدود في منى (ضفيرة) بأمر أمير
المؤمنين المتوكل على الله، ووجه لهذا الامر اسحاق ابن سلمة الصائغ شيخ له معرفة بالصناعات
ورفق وتجارب، وصار الى منى فأمر بعمل ضفيرة تتخذ لترد سيل الجبل عن المسجد ودار الامارة فاتخذ
هنالك ضفيرة عريضة مرتفعة السمك، واحكمها بالحجارة والنورة والرماد فصار ما ينحدر من السيل
يتسرب في اصل الضفيرة من خارجها، ويخرج الى الشارع الاعظم بمنى ولا يدخل المسجد، ولا دار الامارة منه شيء.
المصدر عكاظ