تابع دور المرأة المكية في الحركة الفكرية في القرن التاسع الهجري
كانت الرحلة في طلب العلم تقليدًا درج عليه المكيون، وأصبحت لازمة من لوازم التحصيل العلمي، وقد كان السلف لا يعدون طالب العلم رشيداً إذا هو اقتصر على طلبه في بلده فقط(74)، وأصبحت الرحلات العلمية والمعرفية سمة من السمات وركناً أساسياً من أركان الحياة العلمية في ذلك العصر، وطلبة العلم ينتقلون من الحجاز إلى مصر والشام والعراق وشيراز وبلاد المغرب واليمن؛ لأخذ العلم، ولقاء العلماء، وحيثما حلوا واستفادوا وأقبلوا على التدريس والتأليف والإفتاء، وإمعان النظر والفكر في كتب التراجم والمعاجم(75).
فعرف عن المرأة المكية الرحلة في طلب العلم
، فقد كانت هناك مساحة واسعة في تمتعها بالحرية، فإذا أكملت تعليمها في بلدها ووجدت أن الظروف مهيأة لها لتلقي العلم خارج بلدها سارعت إلى شد الرحال بصحبة ذي محرم من أب أو أخ أو غيرهما، محاولة التتلمذ على أكبر عدد من العلماء ناشدة الكمال العلمي فتتكبد المشاق في هذا السبيل؛ فقد رحلت أم هانئ زينب بنت فهد إلى بلاد الشام، وأجازت عددًا من العلماء(76)، وكذلك أم ريم تقية ابنة تقي الدين بن محمد بن فهد التي رحلت لطلب العلم إلى عدد من المدن الإسلامية صحبة شقيقها العز بن فهد في بداية القرن العاشر الهجري(77)، وإذا كانت المرأة المكية قد حرصت على أخذ العلم فقد جندت نفسها على نشر ما تعلمته، وكان الأقربون لها رجالاً ونساءً هم أول من يستفيد من علمها، ثم هي لا تبخل بعلمها على طلبة العلم، فتمارس التعليم بمختلف الوسائل التي لا تتعارض والتزامها بأوامر دينها؛ فتدرس خلف الستر، وتجيز من أخذ عنها، وقد تجيب كتابة عما تسأل عنه، وهكذا فقد شاركت المرأة المكية في الحياة العلمية، فتعلمت ما تحتاج إليه في حياتها، بل واستزادت من العلم، ونشرت ما تعلمته بين بنات جنسها، كما نالت المرأة حظها في مجال الإبداع الأدبي. وخير مثال على مكانتهن العلمية وإجازتهن العلماء ما رواه لنا جار الله بن فهد أنه درس الحديث وبرع فيه على يدي راويات، وامتدح شيخاته في الحديث، وأبرزهن أم سلمة بنت محمد الطبرية المكية (ت 913هـ/ 1507م)(78)، وفاطمة بنت الكمال بن سيرين (ت941هـ/ 1534م)(79). أسرة بني فهـد: تنتمي هذه الأسرة إلى محمد ابن الحنفية نجل الإمام علي بن أبي طالب ]، وهي أسرة ثابتة الأركان قوية الدعائم، واشتهرت أسرة بني فهد بالاهتمام بعلم الحديث الشريف، وعلم التاريخ والتراجم، وخلفوا لنا تراثاً إسلامياً ضخماً في شتى النواحي،
وكانت أسرة تتمتع بمكانة علمية رفيعة المستوى، فيذكر عبدالحي الكتاني في كتابه فهرس الفهارس "... وإذا تأملت في بطون الكتب قل أن تجد بيتاً من بيوت المسلمين فيه خمسة من الحفاظ في سلسلة واحدة من بيت واحد يتوارثون الحفظ والإسناد غير هذا البيت العظيم"(80). ومن أبرز البيوتات المكية بيت بني فهد، وكان لنسائهم نصيب في تنشيط الحركة العلمية، وبروز بعض نساء هذه الأسرة، واللاتي تتمتع الكثيرات منهن بقدر كبير من العلم، ومن هؤلاء النساء: خديجة ابنة عبدالرحمن بن محمد بن فهد الهاشمي زوج التقي محمد بن فهد، ولدت عام (787هـ/ 1385م)، أجاز لها ابن التقي حاتم والعفيف النشاوري، سمعت الكثير من الأحاديث عن الشيخ شمس الدين بن الجزري وابن سلامة، وحدثت بمكة المكرمة، وأخذ عنها شمس الدين السخاوي، والمجد اللغوي، ورحلت لطلب العلم إلى القدس والخليل وغزة والرملة ودمشق والقاهرة، ثم استطاعت في فترة وجيزة أن تنهل من العلم والمعرفة من شيوخ عصرها؛ مما جعلهم يعترفون ويشيدون لها بذلك(81). كما أخذ عنها ابنها النجم عمر بن فهد المكي، وروى عنها أحاديث عدة، وسمع بها كثير من العلماء، وقرأت عليهم البلدانيات للسلفي، ويصفها لنا في معجمه "وكانت من سروات النساء في زمانها صلاحاً وخيراً وديناً وعفة وصيانة وكرماً وعقلاً وخبرة دمثة الأخلاق كثيرة الصدقة"(82)، توفيت عام (860هـ/ 1455م) بمكة المكرمة(83). ومن نساء بني فهد اللائي حرصن على طلب العلم كمالية ابنة النجم محمد بن فهد الهاشمية المكية أخت تقي الدين بن فهد ولدت عام (808هـ/ 1405م) بمكة المكرمة، سمعت من الزينين المراغي والطبري وابن سلامة وابن الجزري وأبي اليمن الطبري، وعبدالقادر الأرموي، وأقامت في دمشق من عام (841هـ/ 1438م حتى 857هـ/ 1452م)، ثم اتجهت إلى القاهرة، وأخذ عنها العلماء بمنطقة الحجاز أو من خلال رحلاتها إلى بلاد الشام وفلسطين، ومن أبرز من أجازت لهم شمس الدين السخاوي، توفيت عام (866هـ/ 1461م) بمكة المكرمة(84). وقد أصبح يشار بالبنان للعالمة الفاضلة التي برزت في شتى العلوم الشرعية، ونافست الرجال على طلب العلم، والترحال إلى البلاد الإسلامية لتلقي العلوم والمعارف من ينابيع المعرفة، وهي ست قريش فاطمة بنت العلامة تقي الدين محمد بن محمد بن فهد الهاشمي ولدت عام 814هـ/ 1411م بمكة المكرمة(85)، كانت عالمة جليلة أجاز لها جمع غفير من العلماء والشيوخ، أخذت عن علماء مكة المكرمة في سنواتها الأولى المبكرة حيث سمعت من القاضي أبي بكر بن الحسين المراغي، والقاضي جمال الدين بن ظهيرة "سنن الدار قطني"(86)، وقد أجاز لها بعض العلماء من الحرمين وبيت المقدس والخليل ودمشق وحماة وحلب وحمص وبعلبك وطرابلس وغزة والرملة والإسكندرية، ومنهم العالمة عائشة بنت عبدالهادي وعبدالقادر الأرموي، وشرف الدين الكويك وشمس الدين الزراتيتي وابن الهبستي، وتوفيت في مكة المكرمة عام (879هـ/ 1474م)(87). وأثبتت أم كلثوم عائشة بنت عطية محمد بن أبي الخير محمد بن فهد الهاشمي (833 - 899هـ/ 1430 - 1494م) أنها قادرة كالرجال في قوة العزيمة وقوة العلم والمعرفة، فقد حضرت مجالس العلماء، وهي في الرابعة من عمرها في حلقة محمد علي الزمزمي، ونبغت في العلوم الدينية، ويرصد لنا المؤرخ شمس الدين السخاوي من أجاز لها بقوله: "وأجاز لها القبابي، والتدمري، والواسطي، والزركشي، والبدر البوصيري، وابن الطحان، وابن ناظر الصاحبة، والعلاء بن بردس، والبرهان الحلبي، وعائشة الكنانية، والشراعية"(88). ولابد لنا من أن نرصد سيرة امرأة مضيئة في تاريخ المجتمع المكي، وتعد أحد المقاييس المهمة عن تطور ذلك المجتمع وانفتاحه ونموه، وهي أم هانئ زينب ابنة التقي محمد بن محمد بن محمد بن فهد الهاشمي المكي شقيقة النجم، ولدت بمكة المكرمة عـام (817هـ/ 1415م)، وحضرت وعمرها عامان مجلس الشريف أحمد الفاسي، وابن سلامة مشيخة الفخر وغيرهما، وسمعت من الشمسين ابن الجزري والكتاني متفرقين جميع مسند الإمام أحمد ومن عبدالرحمن بن طولوبغا المسلسل والمئة الفراوية، وأجاز لها جمع كثير من العلماء من شتى أقطار العالم الإسلامي، وبلغت الإجازات التي حصلت عليها أكثر من خمسين إجازة(89)، وكانت أم هانئ تحدث، وقد أجازت لعدد من العلماء كشمس الدين السخاوي، والعز بن فهد، واستمرت في بث علمها حتى حانت وفاتها بمكة المكرمة عام (885هـ/ 1480م)(90). ومن أبرز نساء بني فهد المميزات أم ريم تقية، ويقال لها: ست الأهل ابنة تقي الدين محمد بن محمد بن محمد بن فهد الهاشمية المكية، ولدت عام (830هـ/ 1426م) بمكة المكرمة، ثم رحلت لطلب العلم إلى عدد من المدن الإسلامية صحبة شقيقها ابن فهد، وسمعت من أبيها والشهاب أحمد بن إبراهيم المرشدي جزءًا من الطلابية والبردة، وأجاز لها الزين والزركشي والبدر حسين البوصيري، وابن ناظر الصاحبة وابن الطحان والعلاء بن بردس والبرهان الحلبي والقبابي والتدمري، وحانت منيتها عام (891هـ/ 1486م)(91). كما امتازت هدية بنت محمد أبي الخير محمد بن فهد المولودة بمكة عام (801 هـ) بالنبوغ؛ حيث التحقت مع والدها في حلقات العلم وهي في سن الرابعة، فلقد حضرت على ابن صديق، وسمعت من الشريف عبدالرحمن الفاسي والجمال بن ظهيرة وابن سلامة(92). وتعد ابنتا عطية بن محمد بن أبي الخير محمد الكبرى ست الجميع رحمة (831 - 871هـ/ 1428 - 1466م)، والصغرى مريـم (838 - 875هـ/ 1434 - 1470م)، من المثابرات على تحصيل العلم والسعي الحثيث، فلقد التحقتا بحلقات العلم في سن مبكرة، وأجاز لهما كثير من العلماء والبرهان والواسطي والحلبي والتدمري(93). كما أننا لا ننسى شعثاء ابنة التقي محمد بن محمد بن أبي الخير محمد بن محمد (863 - 893هـ/ 1458 - 1488م) التي سمعت في مرحلة مبكرة من أبيها، وأجاز لها كما أجاز لها جماعة من العلماء، واشتهرت بعفتها وصدقاتها ومروءتها؛ مما جعلها أن تكون الأثيرة لدى المجتمع المكي، ويتضح ذلك عندما حانت وفاتها، فاجتمع عدد كبير لجنازتها(94). ونختتم نساء أسرة آل فهد بعالمة ترجم لها مؤرخ مكة التقي الفاسي في ثنايا معجمه العقد الثمين مسطراً عنها أنها عائشة ابنة الوجيه عبدالرحمن بن أبي الخير محمد بن محمد بن فهد (793 - 822هـ/ 1391 - 1419م) قائلاً: "وسمعت بها من ابن سلامة، وأجاز لها زين الدين العرقي، ونور الدين الهيثمي، والبرهان بن صديق، والشهاب بن أحمد بن عمر الجوهري، ومحمد بن حسن الفرسيسي والقطب"(95). أسرة الطبري(96): ولم يقتصر البحث عن العلم والمعرفة على نساء أسرة آل فهد فحسب، بل نافسهم بيت من أعظم البيوت في المجتمع المكي، فأغلب أفراده علماء ومشايخ تولوا مناصب علمية في الأمور الشرعية خاصة في مجال القضاء والتدريس، وتعد من أكبر الأسر العريقة المشهورة بالعلم والمعرفة، جاورت في مكة المكرمة منذ القرن الخامس الهجري، واختلف المؤرخون في نسبهم، وأكد الفاسي أنهم ينتسبون إلى عمرو بن العلاء، فهم شيبانيون(97). وسأتعرض في ثنايا البحث لعدد من النساء السامقات في مجال العلوم الشرعية، وتعد أم سلمة ابنة المحب محمد بن الرضي محمد الحسينية المكية من ألمع النساء المتبحرات في شتى العلوم المعرفية ويعدها جار الله بن فهد من أميز شيوخه، مما رصد لها أكثر من مكان في ثنايا كتابه، كما أسهمت في إثراء الحركة العلمية لدى النساء في المجتمع المكي، واستمرت بكثافة بعطائها المعرفي حتى لاقت ربها في عام (913هـ/ 1507م)(98)، كما تميزت إحدى نساء البيت الطبري بإجازتها لعدد من أبرز علماء العالم الإسلامي في تلك الفترة، وهي آسية ابنة جار الله بن صالح بن أبي منصور أحمد الطبري المولودة بمكة عام (796هـ/ 1394م)، واشتهرت بعلم الحديث بعد حصولها على كثير من الإجازات من علماء وشيوخ الحرمين، فأجازها بدر الدين بن أبي البقاء السبكي، والكمال الدميري، والعراقي، والهيثمي، وأحمد بن أبي البدر الجوهري، والبرهان بن صديق، وأبو بكر بن الحسين المراغي، وأبو اليمن الطبري، وعائشة بنت محمد بن عبدالهادي، وأبو الطيب السمولي، ومحمد بن حسن الفرسيسي، وعلاء الدين الجزري، وقد توفيت في مسقط رأسها مكة عام (873هـ/ 8146م)(99). وزينب ابنة الرضي أبي السعادات محمد المحب (794 - 862هـ/ 1392 - 1457م) سمعت من أبيها "خماسيات ابن المنقور"(100)، وحدثت عنه، وأجاز لها زين الدين العراقي، والبرهان الشامي، والتنوخي، والبلقيني، والسويداوي، والحلاوي، وعبدالله الحرستاني، والبلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأجازت كذلك لشمس الدين السخاوي(101)، وكان للأختين أم الحسن (ت 815هـ/ 1412م) وأم الحسين سعدية (837هـ/ 1433م) ابنتي المحب محمد بن الشهاب أحمد الطبري جهود لا بأس بها في الحديث(102)، فقد حدثتا بالحديث المسلسل بالأولية(103)، وتساعيات(104) الرضي، سمع ذلك منهما محمد بن علي بن محمد الصالحي المكي(105)، وأجاز لها النشاوري، والجمالي الأسيوطي، والكمال بن حبيب، والبلقيني، وابن الملقن، والعراقي، والهيثمي، وكانتا خيّرتين(106). وعلماء بنت أبي اليمن محمد بن أحمد الطبري (774 - 826هـ/ 1374 - 1423م)(107)، التي سمعت على عمتيها الفاطميتين أم الحسن وأم الحسين، وأجيزت من النشاوري، وابن حاتم، وآخرين، واشتهرت بحبها لفعل الخير،