خلايا الذاكرة والكائنات الغريبة في جسم الإنسان وأسرارها العجيبة
يعتبر جسم الإنسان بحراً من الأسرار والألغاز والتي مازال العلم يكتشفها رويداً رويداً.
والذاكرة إحدى هذه الأسرار التي تشير في طياتها إلى عظمة الخالق سبحانه، فلندخل إلى داخل جسم الإنسان وبالتحديد إلى نوع معين من خلاياه وهو الخلية البلغمية "اللمفاوية" المسؤولة عن تذكر الأحداث التي تتعرض لها أبداننا في كل لحظة.
تولد هذه الخلايا مع ولادة الإنسان وتجول في بدنه لتتعرف على خفايا هذا الكائن، على كل صغيرة وكبيرة فيه وبعد أن تُكوِّن سجلاً كاملاً تقريباً عن خلايا جسم الإنسان تتخذ فيه أماكن معينة لتستقر فيها وتكون جاهزة للدفاع عن الجسم في أي لحظة خطر عند دخول أي كائن غريب، حيث إن هذه الخلايا تستطيع التعرف على خلايا جسم الإنسان وتميز بينها وبين أي عنصر غريب عنها.
عندما يدخل جسم الإنسان كائن غريب كالجراثيم نجد أن هذه الخلايا تقوم بالتعرف على هذا الكائن وتصنِّفه ضمن قائمة الأغراب نظراً لأنه غير موجود سابقاً في سجلاتها الخاصة بجسم الإنسان فإذا ما دخل هذا الكائن مرة ثانية تعرفت عليه خلايا الذاكرة مباشرة وأرسلت رسائل عديدة عبر الدم إلى الخلايا الأخرى المسؤولة عن الدفاع عن الجسم لتخبرها أن كائناً غريباً صفاته كذا وكذا قد دخل الجسم وأنها بحاجة إلى مدد للتخلص منه وخلال وقت قصير يكون مكان الجرثوم مكتظاً بمئات الخلايا المسؤولة عن الدفاع عن الجسم وعندها تكون خلية الذاكرة قد أدَّت عملها على الوجه الأكمل وتعود ثانية إلى مواقعها لتكمن هناك مراقبة أي عنصر قد يدخل جسم الإنسان ليسبب له الضرر والمتاعب، ومما يجدر ذكره أن خلايا الذاكرة هذه تعمِّر طويلاً وتسلم أحفادها كل السجلات الخاصة بها سعياً وراء توفير المناخ الملائم لصحة الإنسان وعافيته.
أما بالنسبة للتلقيح فهو شكل آخر مشابه من أشكال الذاكرة إذ إننا نعطي الطفل مع كل جرعة لقاح كمية قليلة من بعض الكائنات الغريبة عنه والتي ليست قادرة على إحداث المرض بهذه الجرعة، ومع كل جرعة لقاح يتعرف الجسم على الكائن الغريب أكثر فأكثر ويصنِّفه ضمن سجلاته الخاصة تحت باب "كائن غريب" وهكذا تمر الأيام والسنون، وفجأة يتعرض الإنسان لهجوم تلك الجراثيم أو الفيروسات التي تم تلقيحه ضدها، وتقوم خلية الذاكرة بالتعرف مباشرة على هذه الكائنات وترسل برقياتها المستعجلة إلى العناصر الدفاعية المتفرقة ضمن البدن والخاصة بمواجهة ذلك الكائن الغريب لتحضر مباشرة إلى مكان الإشارة وتحطم ذلك الكائن الغريب.
وعندما تتغير خلايا جسم الإنسان لسبب من الأسباب كأن يتغير شكلها أو صفاتها تفقد خلايا الذاكرة قدرتها في التعرف على هذه الخلايا الخاصة بها وتعتبرها خلايا غريبة عنها وقد تهاجمها وتقتلها في بعض الأحيان، وأحد الأمثلة على ذلك مايدعى بأمراض المناعة الذاتية والتي تشمل أمراضاً كثيرة كأمراض الغدة الدرقية وبعض فاقات الدم الانحلالية وفقر الدم الخبيث وغيرها.
أما مرض الإيدز الناجم عن ذلك الفيروس الضعيف نسبياً فله طريقة خبيثة يدخل بها إلى جسم الإنسان ويتغلغل فيها ضمن خلاياه وخاصة الخلايا المدافعة عن الجسم فهو يغير من شكلها ويشل حركتها حتى أن الجسم لايعود يميز بين خلاياه والخلايا الغريبة، وتكون النتيجة معركة طاحنة بين الخلايا الدفاعية السليمة والخلايا المريضة التي سمحت للفيروس بالدخول إليها ريثما تقوى شوكته وتكون الطاقة كبرى عندما تنتهي المعركة لمصلحة الفيروس وأعوانه.
للدكتور :عبد القادر شحود - الرياض