الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وعلى آلهوصحبه، وبعد:
في الحديث:قال النبي: {لأعلمن أقواماً من أمتييأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء فيجعلها الله هباءً منثوراً }، قيل: يا رسول الله صفهم لنا، جلّهم لنا، أن لا نكون منهم ونحن لانعلم؟ قال: {أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون منالليل كما تأخذون ولكنهم قوم إذا خلو بمحارم الله انتهكوها }.
قد يبتعد الإنسان عن المعاصي والذنوب إذا كان يحضره الناس، وعلى مشهد منهم، لكنهإذا خلا بنفسه، وغاب عن أعين الناس، أطلق لنفسه العنان، فاقترف السيئات، وارتكبالمنكرات،وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً[الإسراء:17] وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ[البقرة: 74].
بل إن الإنسان ليقع في ذنب، لو كان بحضرته طفل لامتنع من الوقوع فيه، فصار حياؤهمن هذا الطفل أشد من حيائه من الله جل وعلا، أتراه - في هذه الحالة - مستحضراً قولالله تعالى: أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَايُعْلِنُونَ[البقرة:77] {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَيَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ[التوبة: 78].
ويحك يا هذا، إن كانت جراءتك على معصية الله لاعتقاد أن الله لا يراك، فما أعظمكفرك، وإن كان علمك باطلاعه عليك، فما أشد وقاحتك، وأقل حياءك!! يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْيُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَمُحِيطاً[النساء:108].
من أعجب الأشياء أن تعرف الله ثم تعصيه، وتعلم قدر غضبه ثم تعرض له، وتعرف شدةعقابه ثم لا تطلب السلامة منه، وتذوق ألم الوحشة في معصيته ثم لا تهرب منها ولاتطلب الأنس بطاعته.
قال قتادة: ( ابن آدم، والله إن عليك لشهوداً غير متهمة في بدنك، فراقبهم، واتقالله في سرك وعلانيتك، فإنه لا يخفى عليه خافية، الظلمة عنده ضوء، والسر عندهعلانية، فمن استطاع أن يموت وهو بالله حسن الظن فليفعل، ولا قوة إلا بالله ).
وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْوَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَايَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمبِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ[فصلت:23،22].
قال ابن الأعرابي: ( آخر الخاسرين من أبدى للناس صالح أعماله، وبارز بالقبيح منهو أقرب إليه من حبل الوريد ).
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِنَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ[ق:16].
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل *** خلوت ولكن قل عليّ رقيبُ
ولا تحسبنّ الله يغفل ساعةً *** ولا أن ما نخفيه عنه يغيبُ
إن تقوى الله في الغيب، وخشيته في السر، دليل كمال الإيمان، وسبب حصول الغفران،ودخول الجنان، بها ينال العبد كريم الأجر وكبيرهإِنَّمَاتُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُبِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ[يس:11] إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَرَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ[الملك:12] وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هَذَا مَا تُوعَدُونَلِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍمُّنِيبٍ (33) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) لَهُم مَّايَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ[ق:31-35].
وكان من دعاء النبي: {أسألك خشيتك في الغيب والشهادة }والمعنى أن العبد يخشى الله سراً وعلانية، ظاهراً وباطناً، فإنأكثر الناس قد يخشى الله في العلانية وفي الشهادة، ولكن الشأن خشية الله في الغيبإذا غاب عن أعين الناس فقد مدح الله من خافه بالغيب.
وكان بكر المزني يدعو لإخوانه: ( زهّدنا الله وإياكم في الحرام، زهادة من أمكنهالحرام والذنب في الخلوة فعلم أن الله يراه فتركه ).
وقال بعضهم: ( ليس الخائف من بكى فعصر عينيه، إنما الخائف من ترك ما اشتهى منالحرام إذا قدر عليه ).
إذا السر والإعلان في المؤمن استوى *** فقد عزّ في الدارين واستوجبالثنا
فإن خالف الإعلان سراً فما له *** على سعيه فضل سوى الكدّ والعنا
الأمور الموجبة لخشية الله عز وجل
1 - قوة الإيمان بوعده ووعيده على المعاصي.
2 - النظر في شدة بطشه وانتقامه وسطوته وقهره، وذلك يوجب للعبد ترك التعرضلمخالفته، كما قال الحسن: ( ابن آدم، هل لك طاقة بمحاربة الله، فإن من عصاه فقدحاربه ).
وقال بعضهم: ( عجبت من ضعيف يعص قوياً ).
3 - قوة المراقبة لله، والعلم بأنه شاهد رقيب على قلوب عباده وأعمالهم، وأنه مععباده حيث كانوا فإن من علم أن الله يراه حيث كان، وأنه مطلع على باطنه وظاهره وسرهوعلانيته، واستحضر ذلك في خلواته، أوجب له ذلك ترك الماصي في السر.
قال وهب بن الورد: ( خف الله على قدر قدرته عليك، واستحي منه قدر قربه منك ). وقال: ( اتق الله أن يكون أهون الناظرين إليك ).
4 - استحضار معاني صفات الله تعالى، ومن صفاته ( السمع، والبصر، والعلم )، فكيفتعصي من يسمعك، ويبصرك ويعلم حالك؟!.. فإذا استحضر العبد معاني هذه الصفات، قويعنده الحياء، فيستحي من ربه أن يسمع منه ما يكره، أو يراه على ما يكره، أو يخفي فيسريرته ما يمقته عليه، قتبقى أقواله وحركاته وخواطره موزونة بميزان الشرع غير مهملةولا مرسلة تحت حكم الطبيعة والهوى.
قال ابن رجب: ( فتقوى الله في السر، هي علامة كمال الإيمان، ولها تأثير عظيم فيإلقاء الله لصاحبها الثناء في قلوب المؤمنين ).
قال أبو الدرداء: ( ليتق أحدكم أن تلعنه قلوب المؤمنين وهو لا يشعر، يخلو بمعاصيالله، فيلقي الله له البغض في قلوب المؤمنين ).
وقال سليمان التيمي: ( إن الرجل ليصيب الذنب في السر، فيصبح وعليه مذلته ).
وقال غيره: ( إن العبد ليذنب الذنب فيما بينه وبين الله ثم يجيء إلى إخوانهفيرون أثر ذلك الذنب عليه ).
وهذا أعظم الأدلة على وجود الإله الحق، المجازي بذرات الأعمال في الدنيا قبلالآخرة، ولا يضيع عنده عمل عامل، ولا ينفع من قدرته حجاب ولا استتار.
فالسعيد من أصلح ما بينه وبين الله، فإنه من أصلح ما بينه وبين الله، أصلح اللهما بينه وبين الخلق، ومن التمس محامد الناس بسخط الله عاد حامده من الناس ذاماً له.
ومن أعجب ما روي في هذا، ما روي عن أبي جعفر السائح قال: ( كان حبيب أبو محمدتاجراً يكري الدراهم، فمر ذات يوم بصبيان فإذا هم يلعبون، فقال بعضهم لبعض: قد جاءآكل الربا. فنكس رأسه، وقال: يا رب، أفشيت سري إلى الصبيان. فرجع فجمع ماله كله،وقال: يا رب، إني أسير، وإني قد اشتريت نفسي منك بهذا المال فاعتقني، فلما أصبحتصدق بالمال كله، وأخذ في العبادة، ثم مرّ ذات يوم بأولئك الصبيان، فلما رأوه قالبعضهم لبعض: اسكتوا فقد جاء حبيب العابد. فبكى، وقال: يا رب، أنت تذم مرة وتحمدمرة، وكله من عندك ).
قال سفيان الثوري: ( إن اتقيت الله كفاك الناس، وإن اتقيت الناس لن يغنوا عنك منالله شيئاً ). وودّع ابن عون رجلاً فقال: ( عليك بتقوى الله، فإن المتقي ليست عليهوحشة ).
قال زيد بن أسلم: ( كان يقال: من اتقى الله أحبه الناس وإن كرهوا ).
نسأل الله عز وجل أن يرزقنا خشيته في الغيب والشهادة، وفي السر والعلانية.
منقول