رحلة الحجّ العرفانية.. تجربة عملية في الرد على المستشرقين الشَّهيد (2)
المشاركة الجماعية للحجاج في إنجاز الأعمال ومحطات على الطريق:
وأول مثال تطبيقي لكسر عادة من العادات السائدة بين المسلمين اشتراك أفراد
الحملة من الحجاج في عملية نقل جماعي لحمولة سفينة محملة بالقطن كانت راسية
في المحطة الأولى مدينة "مرزا بور" الواقعة على نهر الكنج؛
لأنه لم يكن هناك حمّالون في الميناء في ذلك الوقت، فتردد الحجاج في أن يقوموا بدور
الحمالة وهم من أهل النسب والبيوتات وكبار التجار والعلماء، ولكن الإمام الداعية أحمد
بن عرفان الشهيد كان يريد إعداد نماذج تتجاوز العادات الشائعة؛ ولإحداث تغيير في
المجتمع من خلال تغيير الطبقات التي تقود المجتمع .. لذا صرخ صرخته في الحجاج
قائلاً :
"من يمنعنا من أن نباشر العمل..؟ ألسنا بشرًا..؟! أم أيدينا مكتوفة أم مغلولة..؟!"
فبادر العلماء وأبناء الأشراف والأغنياء فأفرغوا حمولة السفينة، وأهل الميناء
ينظرون إلى هذه الظاهرة العجيبة المخالفة للعادة السائدة التي تعفي أهل الطبقات
العليا من أي عمل ينزلهم إلى مستوى العمال والحمَّالين ..!!، وينقلوا حمولة السفينة
لصاحبها التاجر من غير أجر وإنما مجانًا، وهذا درس تربوي أول في المبادرة والمشاركة
الإيجابية.
الحجاج والحمَّارون:
والمثال الثاني في حملة الحج العرفانية، أنه كان من ضمن شرائح الناس الذين
يتفرجون على حملة الحجاج وهم يقومون بنقل حمولة القطن "الحمّارون" ، وهم أصحاب
الحمير الذين كانوا يقومون بصناعة الطابوق والقرميد ونقله على حميرهم وبيعه لمن
يرغب؛ وبسبب لقبهم هذا هجرهم الأشراف وحقروهم، وكانوا ينفرون من مجالستهم
ويتقززون من مؤاكلتهم حتى صارت عادة للمجتمع.
فلما رأى "أصحاب الحمير" هذا الخلق الاجتماعي لحملة الحجاج العرفانية
وتواضعهم، ودماثة خلقهم أحبوا أن يمتحنوا صدق هذه الجماعة التي يقودها أحمد بن
عرفان الشهيد، فدعوه إلى الطعام بقولهم: "أتكرمنا يا سيدي بقبول دعوتنا، والأكل على
مائدتنا مع زملائك الكرام؟!" فقال الإمام أحمد بن عرفان: نعم وكرامة.
ولما سمع أشراف مدينة "مرزا بور" ذلك فزعوا، وأرسلوا وفدًا إليه يطلب منه عدم
إجابة الدعوة للطعام؛ لأن أهل البلد شاعت فيهم عادة عدم مؤاكلة "الحمَّارة"، وهذا
العمل عار على الأشراف وأهل البيوتات من الأغنياء، فوجه الإمام أحمد بن عرفان
نصيحته لهم بقوله :
"لماذا؟!! أليسوا مسلمين..؟ ألا يتكسبون بالحلال..؟! وما ذنبهم؟! إن الركوب على
الحمار سنة ثابتة، وقد أثر عن الأنبياء والأولياء ركوب هذه الدواب واقتناؤها وتربيتها فلا
تزال هذه العادة في الحرمين الشريفين" يتنقل الحجاج عليها. وبيَّن لهم أن التعيير بمثل
هذا من العادات الجاهلية، بل أن الإمام أحمد بن عرفان ذهب مع حملة الحج إلى الوليمة
التي دعاه إليها "الحمارون" وآنسهم وانبسط إليهم، فأرادوا تقديم هدية مبلغًا كبيرًا من
المال، ورزم من الثياب الفاخرة فرفضها، وقال لهم: "لو قبلنا هذه الهدايا لقال الناس إنما
قبلوا الدعوة طمعًا في هذه الهدايا والأموال الطائلة"، وبذلك هدم الإمام عادة أخرى في
هذه المدينة، وأعاد العلاقة الطبيعية الإسلامية بين "الحمَّارين" وأهل المدينة من
الأشراف والأغنياء؛ فأصبحوا يجالسونهم ويؤاكلونهم .
بهذا الدرس العملي جذب الإمام أحمد بن عرفان الناس إلى دعوته الإصلاحية،
وانضم إليه ركب جديد من الحمارين وغيرهم؛ ليؤدي فريضة الحج بعد أن أعطى البيعة
لهذا الإمام.
المحطة الثانية:
ومن المحطات التي توقفت فيها سفن الحجاج مدينة "بنارس"، واستضاف أهلها الشيخ
المجاهد فكان يستجيب لكل من يدعوه مع أن الجو كان ممطرًا شديد المطر، ولم يمنع
كثرة الأمطار والأوحال استمرار الزيارات من بيت إلى بيت حتى بلغ عدد التائبين
والمبايعين الألوف.
وخلال جولته كان يصلح بين الأسر المختلفة - والتي قطعت صلة الرحم بينها، فضلاً
عن العصبيات المنتشرة بين أهلها، فكان الشيخ أحمد بن عرفان يذكرهم بدينهم وضرورة
إصلاح البين، فتصالحوا حتى بلغوا عدة مئات وآلاف.
بل لما سمع المرضى في مستشفى المدينة خافوا أن تفوتهم فرصة اللقاء
بالشيخ، وطلبوا أن يكرمهم بزيارة فأجاب طلبهم فبايعوه وتابوا على يديه وقالوا: لقد هبت
ريح الإيمان والتوبة!!!
المحطة الثالثة:
(عظيم آباد) ولقاء أهل التبت: وقد وصلت أنباء رحلة حج السيد أحمد بن عرفان الشهيد
إلى سكان التبت على حدود الصين، فأقبلوا تشدهم الأشواق لزيارة بيت الله الحرام
ومهبط الوحي – ولا سيما وأنهم سمعوا بأن الإمام أحمد بن عرفان قد وعد بتكفل نفقات
من لا زاد له .
وعد بوعد:
ولكن السيد أحمد بن عرفان قد فطن لقضية رآها أهم من أداء فريضة الحج بالنسبة
للمسلمين في منطقة التبت، فخاطب أهل التبت بقوله xvi : "إن الله سبحانه لم يفرض
عليكم الحج، لأنكم لا تملكون زادًا وراحلة … فهل ندلكم على طريق فيه ثواب أكثر…
قالوا: أنعم وأكرم، وما أردنا إلا الخير.
قال: نستخلفكم في الدعوة إلى الله في بلادكم .. فترجعون إلى بلادكم دعاة
مرشدين .. وأئمة هادين .. فيهدي الله بكم أقوامًا .. وينتشر الدين.
دورة دعوية:
ثم عقد لهم دورة دعوية يدربهم على الدعوة، ثم كتب لهم آيات وأحاديث في
التوحيد والسنة، وطلب منهم الصبر على الدعوة وتكاليفها والأذى الذي سيصيبهم من
المحاربة والشتيمة.
الابتلاء سنة الدعوات وشرط نجاحها:
فرجع حجاج التبت الذين لا يملكون نفقة الحج دعاة إلى قومهم، فانتشرت دعوتهم
وقوبلوا بالمحاربة والأذى فصبروا ورابطوا وثابروا فاهتدى بهم خلق كثير؛ بل انتقلت
دعوتهم إلى الصين، فعرفوا بهذه الدعوة حقيقة الإسلام وذاقوا حلاوة الإيمان فكانت
بركات دعوتهم تعويضًا لرحلة حجهم وأعظم بركة.
والمحطة الأخيرة أعظم بركة:
وفي "كلكتا" ميناء الانطلاق نحو نفحات الحرم طالت إقامتهم لإنجاز أعمال السفر،
فكان هذا التأخير له بركة عظيمة، حيث أقبل الناس إلى مجالس الإمام وتلاميذه يغترفون
من علمهم لتستنير قلوبهم، وليذوقوا لذة الطاعة بعد المعصية، فأثرت هذه المجالس في
أخلاق الناس وعاداتهم فتركوا شرب الخمر، وكسدت سوق الخمر بعد أن كانت عادة
مستحكمة، وأغلقت كثير من الحانات أبوابها، وأقفرت من روادها حتى شكى تجار الخمر
أمرهم للسلطة الإنجليزية وطلبوا منها أن تعفيهم من ضرائب الخمر..!!!، فأوقفها الحاكم
البريطاني ريثما يسافر الإمام أحمد بن عرفان؟؟
والبركة العظمى هو دخول الهندوس والوثنيين إلى الإسلام فكان يسلم في كل يوم
من عشرة إلى خمسة عشر رجلاً !!.
رحلة الحج مقدمة للجهاد ضد الإنجليز:
كانت رحلة الحج بما رافقها من مجالس علم، واحتفالات، ومواقف تطبيقية إثارة
لمعاني الدعوة وروح العزة الإسلامية في الناس، وحثهم على ترك المعاصي، وحثهم
على العزيمة والجدية في نشر المفاهيم الصحيحة، وتنقية المجتمع من البدع في
العادات والعبادات.
ومن ثَمَّ للعودة بالأمة إلى أصالتها لتقوى على مواجهة أعدائها، ثم كان ذلك عندما
عاد الإمام أحمد بن عرفان الشهيد بعد رحلة الحج، حيث وقف بالأمة في وجه التحديات
واستطاع أن يدحر الإنجليز ردحًا من الزمن عن كثير من مناطق الهند وبلاد الأفغان، ولكن
جهل بعض المسلمين ومكائد الإنجليز أجهزت على الإمام أحمد بن عرفان فنال الشهادة
بعد أن نشر نفحات الإيمان في تلك الحقبة من الزمان؛ لتبقى نموذجًا على مدى الأزمان
يملأ النفس بالحنان كلما هبت ريح الإيمان، وتوافدت قوافل الحجيج لزيارة مهبط الوحي
ومطلع النور.
الدكتور: ليث سعود القيسي
الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا