رحلة الحجّ العرفانية.. تجربة عملية في الرد على المستشرقين الشَّهيد (1)
خلفية تاريخية:
كانت لرحلة الحج مفهوم آخر عند المستشرقين؛ فقد اهتموا بدراسة هذه الفريضة والتأثير الذي تتركه في نفوس الحجاج، وبخاصة في أوائل مرحلة الاستعمار في القرن التاسع عشر؛ حيث كانت شريحة الحجاج وبخاصة في الهند وجنوب شرق آسيا، بل في إفريقيا شمالاً وغربًا تقف سدًا منيعًا أمام حركة الاحتلال باسم الاستعمار.
لذلك عمل الاستشراق i على دراسة هذه الظاهرة وأثرها على الشعوب الإسلامية من جانب، وأثرها على حركة الهيمنة على البلاد الإسلامية من جانب آخر؛ فنشط المستشرقون الهولنديون في إندونيسيا، والإنجليز في الهند، والفرنسيون في إفريقيا في بحوثهم عن الحج، بل أظهر بعض هؤلاء المستشرقين الإسلام لأجل أن يزوروا مكة ويدرسوا ظاهرة الحج التي كانت تعتبر مظهرًا خطيرًا ضد التطلعات الأوربية، ومن أشهر هؤلاء المستشرق الهولندي سنوك الذي كتب رسالة للدكتوراه عن "الحج" وسافر إلى مكة، ومكث فيها شهور لأجل هذه الغاية، وعلى أساسها وضعت هولندا استراتيجيتها في جنوب شرق آسيا.
ومن سياسات المستعمرين في مواجهة رحلة الحج:
1 ـ تخويف الناس من الأمراض وبث الشائعات عن انتشارها في مكة ليمتنع الحجاج من السفر.
2 ـ التخويف من خطورة الطريق إلى الحج، بل وتشجيع القرصنة وقطع الطريق على الحجاج بواسطة البر والبحر لتخويفهم.
3 ـ التعويق الإداري كالمنع من الحج وفرض الضرائب.
4 ـ دفع البعض إلى الإفتاء بتوقف الفريضة بسبب الأضرار التي يصاب بها الحجاج حتى توقفت في بعض الأماكن.
وقد وصف الشيخ أبو الحسن الندوي أصحاب هذه الفتاوى بقوله:
"الذين لم تكن لهم قدم راسخة في علوم الكتاب والسنة، وكان معولهم على بعض الأقوال الشاذة بسقوط فريضة الحج عن ذمة المسلمين في الهند على أساس أن السفر في السفن الشراعية في البحر خطر على النفوس والأرواح؛ فلا يتحقق الشرط "من استطاع إليه سبيلاً" وخاف أهل الغيرة الدينية والفراسة الإيمانية أن المسلمين لو استجابوا لهذه الدعوة وانصرفوا عن الحج صعبت عودتهم إلى هذه الفريضة" ii .
حملة الإمام السيد أحمد بن عرفان الشهيد رد عملي:
وقد أدرك العالم الفقيه والداعية المجاهد أحمد بن عرفان الشهيد iii ذلك فأراد أن يرد على هذه الفتنة بأسلوب عملي، وأن يجعله في نفس الوقت طريقًا إلى إحياء الروح الإسلامية في نفوس مسلمي الهند، دعوة لغيرهم من عصاة المسلمين، وإبراز عظمة الإسلام لغير المسلمين من السيخ والهندوس، ولإظهار العزة الإسلامية في وجه المستعمرين الإنجليز، فضلاً عن أنه جعله سببًا لبث منهجه الدعوي للإصلاح الذي بدأه سنة( 1233هـ = 1822م) في "رائ بريلي".
ركب الحجيج الدَّعْوي الإصلاحي العرفاني:
نادى السيد أحمد بن عرفان في الناس بالحج سنة 1822م، وأعلن عن حملته الإيمانية فأرسل بالبعوث إلى أنحاء الهند لحث العلماء للالتحاق بحملته، وكتب الرسائل، وأعلن بأنه سيتكفل بنفقات من ليس له زاد، وفي ظل هذه الروح لبعث شعيرة الحج - التي توقفت فترة - دبت في المسلمين حياة إيمانية جديدة، وقوي الحنين إلى زيارة بيت الله الحرام وزيارة مسجد النبي العدنان – صلى الله عليه وسلم -.
وجاءت الوفود من أنحاء الهند، وتجمع في حملته أول أمرها 400 حاجًّا، ومن أشهر من رافقه من العلماء: مولانا إسماعيل بن عبد الغني الدهلوي وهو ابن الإمام الدهلوي صاحب كتاب حجة الله البالغة iv . والإمام عبد الحي البرهانوي.
وتحرك الركب في شوال 1236هـ راكبًا السفن عبر نهر الكنج المشهور إلى "كلكتا" الميناء المعروف ومعه العلماء وأبناء الأغنياء والتجار وغيرهم من المسلمين من العمال والفلاحين .
عهد وميثاق المشاركين في حملة الحج العرفانية:
وقد وقف الداعية المصلح أحمد بن عرفان يخاطب الحجاج مبينًا لهم النية والغاية التي خرجوا لها، وما هي الأخلاق والأعمال المطلوبة لأفراد الحملة فقال vi :
"إخواني إنكم هجرتم أوطانكم ومنازلكم لتسعدوا بالحج والعمرة ابتغاء رضوان الله فيلزمكم: أن تكونوا إخوة متحابين كأنكم أشقاء، أبوكم واحد، وأمكم واحدة، ويحب أحدكم لأخيه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه"…"وليشارك كل واحد صاحبه فيما يشتغل به، ولا يستنكف عن خدمته بل يعتبر ذلك شرفًا وفخرًا"….."فإذا رأى الناس فيكم هذه الأخلاق حرصوا على صحبتكم ومرافقتكم وقالوا: هؤلاء من طراز خاص، ونوع فريد، ففاز هؤلاء القوم وحسن أولئك رفيقًا".
وقال: "إنني لأرجو أن الله يهدي في هذه الرحلة مئات آلاف من الناس، ويخرج آلاف من الذين غاصوا في مستنقع الشرك والبدع والجهالة إلى أذقانهم وجهلوا شعائر الإسلام جهلاً عميقًا فيعودون بإذن الله موحدين مؤمنين متقين" .
محطات في طريق الحج وركاب جدد:
ومرت حملة الحج بثلاث ولايات كبيرة في الطريق وهي الولاية الشمالية باتنه وولاية بهار وولاية بنغال، ومن أهم المدن والتي نزل فيها في طريقه إلى كلكتا: مِرزا بور، إله آباد، غازي بور، بنارس، عظيم آباد.
وكان له في كل محطة نشاط دعوي ومواعظ يلقيها هو ومولانا عبد الحي ومحمد إسماعيل الدهلوي، فتنشرح صدور الناس للتوبة والالتزام بل والاستعداد لتغيير العادات الشائعة الباطلة المنتشرة بين الناس بمختلف طبقاتهم الاجتماعية.
وجانب آخر كان أفراد الحملة قدوات صالحة للناس لما رأوه في الإمام أحمد وجماعته من روح المساواة فلا غني ولا فقير ولا سيد ولا مسود ولا طبقية اجتماعية، كالذي شاع في المجتمع الهندي، بل تواضع وأخوة ومشاركة في كل الأعمال التي تتطلبها الرحلة.
مخالفة العادات غير الإسلامية في المجتمع وإعطاء البديل:
لقد انعكست بعض العادات الهندوكية بصورة غير مباشرة على المسلمين وبخاصة الطبقية الاجتماعية التي أصبحت قانونًا قسم المجتمع إلى أربع طبقات :
1 ـ طبقة الكهنة ورجال الدين وهم "البراهمة" الذين لهم مطلق التصرف في المجتمع.
2 ـ طبقة رجال الحرب والجندية وهم "شترى".
3 ـ ورجال الفلاحة والتجارة وهم "ويشا".
4 ـ رجال الخدمة وهم "شودرا" وهم أحط الطبقات لأنهم خلقوا من أرجل "براهما" وليس لهم إلا خدمة الطبقات الثلاث منبوذين عن المجتمع.
وقد قام الإمام أحمد بن عرفان الشهيد بكسر هذه العادة التي تتنافى والتعاليم الإسلامية الاجتماعية التي شرعها الكتاب والسنة، وصارت سلوكًا عمليًا وخلقًا اجتماعيًا يحترم إنسانية الإنسان بالنظر إلى كينونته لا إلى المظاهر الخارجية المتغيرة "إن أكرمكم عند الله أتقاكم"(الحجرات:13)، "كلكم لآدم وآدم من تراب"(حديث شريف)، "الناس سواسية كأسنان المشط"(حديث شريف).
ورحلة الحج هذه التي كانت بمثابة مجتمع إسلامي متجول، وفريق عمل يعالج الخلل الاجتماعي من خلال الوعظ بالمقال ولسان الحال، وإعطاء النموذج الاجتماعي الإسلامي حقيقته من خلال التعامل اليومي، وخاصة وأن حملة الحج هذه تتكون من مختلف الشرائح الاجتماعية؛ ففيها العلماء وعلى رأسهم الإمام أحمد بن عرفان الشهيد، ومحمد إسماعيل بن عبد الغني الدهلوي، والشيخ عبد الحي البرهانوي وغيرهم، وفيها من الأغنياء والتجار، وأهل البيوتات المعروفة بأنسابها ومكانتها الاجتماعية، وفيهم العمال وبسطاء الناس .