(*****)مقدمة موقع العرب وأقوامها:
إن السيرة النبوية -على صاحبها الصلاة والسلام - عبارة في الحقيقة عن الرسالة التي حملها رسول الله صلَّى الله عليه وسلم إلى المجتمع البشري، وأخرج بها الناس من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة الله. وإذن فلا يمكن إحضار صورتها الرائعة بتمامها إلا بعد المقارنة بين خلفيات هذه الرسالة وآثارها. ونظراً إلى ذلك نقدم فصلاً عن أقوام العرب وتطوراتها قبل الإسلام، وعن الظروف التي بُعث فيها محمد صلَّى الله عليه وسلم.
1- 2 - موقع العرب:
العرب لغة: الصحارى والقفار، والأرض المجدبة التي لا ماء فيها ولا نبات. وقد أطلق هذا اللفظ منذ أقدم العصور على جزيرة العرب. كما أطلق على قوم قطنوا تلك الأرض، واتخذوها موطناً لهم.
وجزيرة العرب يحدها غرباً البحر الأحمر وشبه جزيرة سيناء ، وشرقاً الخليج العربي وجزء كبير من بلاد العراق الجنوبية، وجنوباً بحر العرب الذي هو إمتداد لبحر الهند، وشمالاً بلاد الشام وجزء من بلاد العراق على اختلاف في بعض هذه الحدود، وتقدر مساحتها مابين مليون ميل مربع إلى مليون وثلاثمائة ألف ميل مربع.
والجزيرة لها أهمية بالغة من حيث موقعها الطبيعي والجغرافي؛ فأما باعتبار وضعها الداخلي فهي محاطة بالصحارى والرمال من كل جانب، ومن أجل هذا الوضع صارت الجزيرة حصناً منيعاً لا يسمح للأجانب أن يحتلوها ويبسطوا عليها سيطرتهم ونفوذهم. ولذلك نرى سكان الجزيرة أحراراً في جميع الشؤون منذ أقدم العصور، مع أنهم كانوا مجاورين لإمبراطوريتين عظيمتين لم يكونوا يستطيعون دفع هجماتهما لولا هذا السد المنيع.
وأما بالنسبة إلى الخارج فإنها تقع بين القارات المعروفة في العالم القديم. وتلتقي بها براً وبحراً. فإن ناحيتها الشمالية الغربية باب للدخول في قارة أفريقيا، وناحيتها الشمالية الشرقية مفتاح لقارة أوروبا، والناحية الشرقية تفتح أبواب العجم والشرق الأوسط والأدنى. وتفضي إلى الهند والصين، وكذلك تلتقي كل قارة بالجزيرة بحراً، وترسي سفنها وبواخرها على ميناء الجزيرة رأساً.
ولأجل هذا الوضع الجغرافي كان شمال الجزيرة وجنوبها مهبطاً للأمم ومركزاً لتبادل التجارة، والثقافة، والديانة، والفنون.
1- 3 - أقوام العرب:
وأما أقوام العرب فقد قسمها المؤرخون إلى ثلاثة أقسام بحسب السلالات التي ينحدرون منها:
1-العرب البائدة: وهم العرب القدامى الذين لم يمكن الحصول على تفاصيل كافية عن تاريخهم، مثل: عاد وثمود وطسم وجديس وعملاق وسواها.
2-العرب العاربة: وهم العرب المنحدرة من صلب يعرب بن يشجب بن قحطان، وتسمى بالعرب القحطانية.
3-العرب المستعربة: وهي العرب المنحدرة من صلب إسماعيل، وتسمى بالعرب العدنانية.
أما العرب العاربة -وهي شعب قحطان - فمهدها بلاد اليمن ، وقد تشعبت قبائلها وبطونها فاشتهرت منها قبيلتان:
أ-حمير ، وأشهر بطونها زيد الجمهور، وقضاعة، والسكاسك.
ب-كهلان ، وأشهر بطونها همدان ، وأنمار، وطيء، ومذحج، وكندة، ولخم، وجذام، والأزد، والأوس، والخزرج، وأولاد جفنة ملوك الشام.
وهاجرت بطون كهلان عن اليمن ، وانتشرت في أنحاء الجزيرة، وكانت هجرة معظمهم قبيل سيل العرم حين فشلت تجارتهم، لضغط الرومان وسيطرتهم علىطريق التجارة البحرية، وإفسادهم طريق البر بعد احتلالهم بلاد مصر والشام.
ولا غرو فقد كانت منافسة بين بطون كهلان وبطون حمير أدت إلى جلاء كهلان، ويشير إلى ذلك بقاء حمير مع جلاء كهلان.
ويمكن تقسيم المهاجرين من بطون كهلان إلى أربعة أقسام:
1-الأزد: وكانت هجرتهم على رأي سيدهم وكبيرهم عمران بن عمرو مزيقباء.
فساروا يتنقلون في بلاد اليمن ويرسلون الرواد، ثم ساروا بعد ذلك إلى الشمال. وهاك تفاصيل الأماكن التي سكنوا فيها بعد الرحلة نهائياً: عطف ثعلبة بن عمرو من الأزد نحو الحجاز، فأقام بين الثعلبية وذي قار، ولما كبر ولده وقوي ركنه سار نحو المدينة ، فأقام بها واستوطنها. ومن أبناء ثعلبة هذا: الأوس والخزرج، ابنا حارثة بن ثعلبة.
وانتقل منهم حارثة بن عمرو -وهو خزاعة - وبنوه في ربوع الحجاز، حتى نزلوا بمر الظهران، ثم افتتحوا الحرم فقطنوا مكة وأجلوا سكانها الجراهمة.
ونزل عمران بن عمرو في عمان ، واستوطنها هو وبنوه، وهم أزد عمان ، وأقامت قبائل نصر بن الأزد بتهامة، وهم أزد شنوءة.
وسار جفنة بن عمرو إلى الشام فأقام بها هو وبنوه، وهو أبو الملوك الغساسنة . نسبة إلى ماء في الحجاز يعرف بغسان كانوا قد نزلوا بها أولاً قبل تنقلهم إلى الشام.
2- لخم وجذام: وكان في اللخميين نصر بن ربيعة أبو الملوك المناذرة بالحيرة.
3- بنو طيء : ساروا بعد مسير الأزد نحو الشمال حتى نزلوا بالجبلين أجا وسلمى، وأقاموا هناك، حتى عُرفَ الجبلان بجبلي طيء .
4- كندة : نزلوا بالبحرين، ثم اضطروا إلى مغادرتها فنزلوا بحضرموت، ولاقوا هناك ما لاقوا بالبحرين، ثم نزلوا نجد ، وكوّنوا هناك حكومة كبيرة الشأن ولكنها سرعان مافنيت وذهبت آثارها.
وهناك قبيلة من حميرمع اختلاف في نسبتها إليه -وهي قضاعة - هجرت اليمن واستوطنت بادية السماوة من مشارف العراق.
وأما العرب المستعربة فأصل جدهم الأعلى -وهو سيدنا إبراهيم عليه السلام - من بلاد العراق، من بلدة يقال لها (أر ) على الشاطىء الغربي من نهر الفرات، بالقرب من الكوفة، وقد جاءت الحفريات والتنقيبات بتفاصيل واسعة عن هذه البلدة وعن أسرة إبراهيم عليه السلام، وعن الأحوال الدينية والإجتماعية في تلك البلاد.
ومعلوم أن إبراهيم عليه السلام هاجر منها إلى حاران أو حرّان، ومنها إلى فلسطين، فاتخذها قاعدة لدعوته، وكانت له جولات في أرجاء هذه البلاد وغيرها وقدم مرة إلى مصر ، وقد حاول فرعون مصر كيداًوسوءاً بزوجته سارة ولكن الله ردّ كيده في نحره، وعرف فرعون مالِسارة من الصلة القوية بالله، حتى أخدمها ابنته هاجر؛ اعترافاً بفضلها، وزوّجَتْها سارة إبراهيم.
ورجع إبراهيم إلى فلسطين، ورزقه الله من هاجر إسماعيل، وغارت سارة حتى ألجأت إبراهيم إلى نفي هاجر مع ولدها الصغير -إسماعيل - فقدم بهما إلى الحجاز، وأسكنهما بواد غير ذي زرع عند بيت الله المحرم الذي لم يكن إذ ذاك إلا مرتفعاً من الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله، فوضعهما عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء. فوضع عندهما جراباً فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ورجع إلى فلسطين، ولم تمض أيام حتى نفد الزاد والماء، وهناك تفجرت بئر زمزم بفضل الله، فصارت قوتاً لهما وبلاغاً إلى حين. والقصة معروفة بطولها.
وجاءت قبيلة يمانية -وهي جرهم الثانية - فقطنت مكة بإذن من أم إسماعيل يقال إنهم كانوا قبل ذلك في الأودية التي بأطراف مكة . وقد صرحت رواية البخاري أنهم نزلوا مكة بعد إسماعيل، وقل أن يشِبَ، وأنهم كانوا يمرون بهذا الوادي قبل ذلك.
وقد كان إبراهيم يرحل إلى مكة بين آونة وأخرى ليطالع تركته، ولا يعلم كم كانت هذه الرحلات، إلا أن المصادر التاريخية الموثوقة حفظت أربعة منها.
فقد ذكر الله تعالى في القرآن أنه أرى إبراهيم في المنام أنه يذبح إسماعيل، فقام بامتثال هذا الأمر {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ. وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ. قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ. وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيم ٍ}.
وقد ذكر في سفر التكوين أن إسماعيل كان أكبر من إسحق بثلاث عشرة سنة، وسياق القصة يدل على أنها وقعت قبل ميلاد إسحق، لأن البشارة بإِسحق ذُكرت بعد سرد القصة بتمامها.
وهذه القصة تتضمن رحلة واحدة -على الأقل - قبل أن يشب إسماعيل، أما الرحلات الثلاثة الأخر فقد رواها البخاري بطولها عن ابن عباس مرفوعاً وملخصها أن إسماعيل لما شب وتعلم العربية من جرهم، وأنفسهم وأعجبهم زوجوه امرأة منهم، وماتت أمه، وبدا لإبراهيم أن يطالع تركته فجاء بعد هذا التزوج، فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه وعن أحوالهما، فشكت إليه ضيق العيش فأوصاها أن تقول لإسماعيل أن يغير عتبة بابه، وفهم إسماعيل ماأراد أبوه، فطلق امرأته تلك وتزوج امرأة أخرى، وهي ابنة مضاض بن عمرو، كبير جرهم وسيدهم. وجاء إبراهيم مرة أخرى بعد هذا التزويج الثاني فلم يجد اسماعيل فرجع إلى فلسطين بعد أن سأل زوجته عنه وعن أحوالهما فأثنت على الله، فأوصى إلى اسماعيل أن يثبت عتبة بابه.
وجاء مرة ثالثة فلقي إسماعيل وهو يبري نبلاً له تحت دوحة قريباً من زمزم فلما رآه قام إليه فصنع كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد، وكان لقاؤهما بعد فترة طويلة من الزمن، قلما يصبر فيها الأب الكبير الأواه العطوف عن ولده، والولد البار الصالح الرشيد عن أبيه وفي هذه المرة بنيا الكعبة، ورفعا قواعدها، وأذّن إبراهيم في الناس بالحج كما أمره الله.
وقد رزق الله إسماعيل من ابنة مضاض اثني عشر ولداً ذكراً وهم: نابت أونبايوط، قيدار، وأدبائيل، ومبشام، ومشماع، ودوما، وميشا، وحدد، ويتما، ويطور، ونفيس، وقيدمان، وتشعبت من هؤلاء اثنتا عشرة قبيلة، سكنت كلها في مكة مدة، وكانت جل معيشتهم التجارة من بلاد اليمن إلى بلاد الشام ومصر ثم انتشرت هذه القبائل في أرجاء الجزيرة بل وإلى خارجها. ثم أدرجت أحوالهم في غياهب الزمان، إلا أولاد نابت وقيدار.
وقد ازدهرت حضارة الأنباط -أبناء نابت - في شمال الحجاز، وكوّنوا حكومة قوية دان لها من بأطرافها، واتخذوا البطراء عاصمة لهم، ولم يكن يستطيع مناوأتهم أحد حتى جاء الرومان فقضوا عليهم، وقد رجح السيد سليمان الندوي بعد البحث الأنيق والتحقيق الدقيق أن ملوك آل غسان وكذا الأنصار من الأوس والخزرج لم يكونوا من آل قحطان، وإنما كانوا من آل نابت بن إسماعيل، وبقاياهم في تلك الديار.
وأما قيدار بن إسماعيل فلم يزل أبناؤه بمكة يتناسلون هناك حتى كان منه عدنان وولده معد، ومنه حفظت العرب العدنانية أنسابها. وعدنان هو الجد الحادي والعشرون في سلسلة النسب النبوي، وقد ورد أنه صلَّى الله عليه وسلم كان إذا انتسب فبلغ عدنان يمسك ويقول:كذب النسّابون، فلا يتجاوزه. وذهب جمع من العلماء إلى جواز رفع النسب فوق عدنان، مضعّفين للحديث المشار إليه، وقالوا إن بين عدنان وبين إبراهيم عليه السلام أربعين أباً بالتحقيق الدقيق.
وقد تفرقت بطون معد من ولده نزار -قيل لم يكن لمعد ولد غيره - فكان لنزار أربعة أولاد، تشعبت منهم أربع قبائل عظيمة: إياد وأنمار وربيعة ومضر، وهذان الأخيران هما اللذان كثرت بطونهما واتسعت أفخاذهما، فكان من ربيعة :أسد بن ربيعة ، وعنزة، وعبد القيس، وابنا وائل -بكر ، وتغلب - وحنيفة وغيرها.
وتشعبت قبائل مضر إلى شعبتين عظيمتين:قيس عيلان بن مضر، وبطون إلياس بن مضر. فمن قيس عيلان:بنو سليم ، وبنو هوازن ، وبنو غطفان ، ومن غطفان :عبس وذبيان، وأشجع وغني بن أعصر.
ومن إلياس بن مضر:تميم بن مرة، وهذيل بن مدركة ، وبنو أسد بن خزيمة وبطون كنانة بن خزيمة ، ومن كنانة : قريش ، وهم أولاد فهر بن مالك بن النضر بن كنانة .
وانقسمت قريش إلى قبائل شتى، من أشهرها: جمح، وسهم، وعدي، ومخزوم، وتيم، وزهرة، وبطون قصي بن كلاب، وهي عبد الدار بن قصي، وأسد بن عبد العزى بن قصي، وعبد مناف بن قصي.
وكان من عبد مناف أربع فصائل: عبد شمس، ونوفل، والمطلب، وهاشم وبيت هاشم هو الذي اصطفى الله منه سيدنا محمد بن عبدالله بن عبد المطلب بن هاشم صلَّى الله عليه وسلم.
قال صلَّى الله عليه وسلم: "إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل كنانة ، واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم ".
وعن العباس بن عبد المطلب قال:قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم: "إن الله خلق الخلق فجعلني من خير فرقهم وخير الفريقين، ثم تخيّر القبائل، فجعلني من خير القبيلة، ثم تخير البيوت فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفساً وخيرهم بيتا ً".
ولما تكاثر أولاد عدنان تفرقوا في أنحاء شتى من بلاد العرب، متتبعين مواقع القطر ومنابت العشب.
فهاجرت عبد القيس ، وبطون من بكر بن وائل، وبطون من تميم إلى البحرين فأقاموا بها.
وخرجت بنو حنيفة بن صعب بن علي بن بكر إلى اليمامة فنزلوا بحجر، قصبة اليمامة . وأقامت سائر بكر بن وائل في طول الأرض من اليمامة إلى البحرين إلى سيف كاظمة إلى البحر، فأطراف سواد العراق، فالأبلة فهيت.
وأقامت تغلب بالجزيرة الفراتية، ومنها بطون كانت تساكن بكراً. وسكنت بنو تميم ببادية البصرة .
وأقامت بنو سليم بالقرب من المدينة ، من وادي القرى إلى خيبر إلى شرقي المدينة إلى حد الجبلين، إلى ماينتهي إلى الحرة.
وسكنت ثقيف بالطائف، وهوازن في شرقي مكة بنواحي أوطاس، وهي على الجادة بين مكة والبصرة.
وسكنت بنو أسد شرقي تيماء وغربي الكوفة، بينهم وبين تيماء ديار بحتر من طيء ، وبينهم وبين الكوفة خمس ليال.
وسكنت ذبيان بالقرب من تيماء إلى حوران.
وبقي بتهامة بطون كنانة ، وأقام بمكة وضواحيها بطون قريش ، وكانوا متفرقين لاتجمعهم جامعة حتى نبغ فيهم قصي بن كلاب، فجمعهم، وكون لهم وحدة شرفتهم ورفعت من أقدارهم.
2- 1 - مقدمة الحكم والإمارة في العرب:
حينما أردنا أن نتكلم عن أحوال العرب قبل الإسلام؛ رأينا أن نضع صورة مصغرة من تاريخ الحكومة والإمارة والملل والأديان في العرب، حتى يسهل علينا فهم الأوضاع الطارئة عند ظهور الإسلام.
كان حكام الجزيرة حين بزغت شمس الإسلام قسمين: قسم منهم ملوك متوجون، إلا أنهم في الحقيقة كانوا غير مستقلين، وقسم هم رؤساء القبائل والعشائر، لهم ماللملوك من الحكم والامتياز، ومعظم هؤلاء كانوا على تمام الاستقلال. وربما كانت لبعضهم تبعية لملك متوج، والملوك المتوجون هم ملوك اليمن ، وملوك آل غسان ، وملوك الحيرة ، وماعدا هؤلاء من حكام الجزيرة فلم تكن لهم تيجان.
2- 2 - الملك باليمن:
من أقدم الشعوب التي عرفت باليمن من العرب العاربة قوم سبأ، وقد عثر على ذكرهم في حفريات "أور "(*****)بخمسة وعشرين قرناً قبل الميلاد. ويبدأ ازدهار حضارتهم ونفوذ سلطانهم وبسط سيطرتهم بأحد عشر قرناً قبل الميلاد.
ويمكن تقسيم أدوارهم حسب التقدير الآتي:
1- القرون التي خلت قبل سنة 650ق.م، وكان ملوكهم يلقبون في هذا الزمن بـ "مكرب سبأ "(*****)وكانت عاصمتهم بلدة "صرواح" التي توجد أنقاضها على مسافة يوم إلى الجانب الغربي من بلدة "مأرب" وتعرف باسم "خريبة "(*****)وفي زمنهم بدأ بناء السد الذي عرف بسد مأرب، والذي له شأن كبير في تاريخ اليمن ، ويقال: إن سبأ بلغوا من بسط سلطتهم إلى أن اتخذوا المستعمرات في داخل بلاد العرب وخارجها.
2- منذ سنة 650ق.م إلى سنة 115ق.م وفي هذا الزمن تركوا لقب "مكرب" وعرفوا بملوك سبأ، واتخذوا "مأرب "(*****)عاصمة لهم بدل "صرواح" وتوجد أنقاضها على بعد ستين ميلاً من صنعاء إلى جانبها الشرقي.
3- منذ سنة 115ق.م إلى سنة 300 م، وفي هذا العهد غلبت قبيلة حمير على مملكة سبأ، واتخذت بلدة "ريدان" عاصمة لها بدل "مأرب". ثم سميت بلدة "ريدان" باسم ظفار ، وتوجد أنقاضها على جبل مدور بالقرب من "يريم "(*****)وفي هذا العهد بدأ فيهم السقوط والإنحطاط، فقد فشلت تجارتهم إلى حد كبير؛ لبسط سيطرة الأنباط في شمال الحجاز أولاً، ثم لغلبة الرومان على طرق التجارة البحرية بعد نفوذ سلطانهم على مصر وسوريا وشمالي الحجاز ثانياً، ولتتنافس القبائل فيما بينها ثالثاً. وهذه العناصر هي التي سببت تفرق آل قحطان وهجرتهم إلى البلاد الشاسعة.
4- منذ سنة 300 م إلى أن دخل الإسلام في اليمن . وفي هذا العهد توالت عليهم الاضطرابات والحوادث، وتتابعت الانقلابات، والحروب الأهلية التي جعلتهم عرضة للأجانب حتى قضت على إستقلالهم. ففي هذا العهد دخل الرومان في عدن ، وبمعونتهم احتل الأحباش اليمن لأول مرة سنة 340م، مستغلين التنافس بين قبيلتي همدان وحِمير، واستمر احتلالهم إلى سنة 378م. ثم نالت اليمن استقلالها، ولكن بدأت تقع الثلمات في سد مأرب، حتى وقع السيل العظيم الذي ذكره القرآن بسيل العرم في سنة 450م أو 451م. وكانت حادثة كبرى أدت إلى خراب العمران وتشتت الشعوب.
وفي سنة 523م قاد ذو نواس اليهودي حملة منكرة على المسيحيين من أهل نجران ، وحاول صرفهم عن المسيحية قسراً. ولما أبو أخدَّ لهم الأخدود وألقاهم في النيران، وهذا الذي أشار إليه القرآن في سورة البروج بقوله:
{قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ } الآيات، وكان من جراء ذلك نقمة النصرانية الناشطة إلى الفتح والتوسع تحت قيادة أمبراطور الرومان على بلاد العرب، فقد حرضوا الأحباش، وهيأوا لهم الأسطول البحري، فنزل سبعون ألف جندي من الحبشة ، واحتلوا اليمن مرة ثانية، بقيادة أرياط سنة 525م، وظل أرياط حاكماً من قبل ملك الحبشة حتى اغتاله أبرهة -أحد قواد جيشه - وحكم بدله بعد أن استرضى ملك الحبشة ، وأبرهة هذا هو الذي جند الجنود لهدم الكعبة، وعرف هو وجنوده بأصحاب الفيل.
وبعد وقعة الفيل استنجد اليمانيون بالفرس، وقاموا بمقاومة الحبشة حتى أجلوهم عن البلاد، ونالوا الاستقلال في سنة 575م بقيادة معد يكرب بن سيف ذي يزن الحميري، واتخذوه ملكاً لهم، وكان معد يكرب أبقى معه جمعاً من الحبشة يخدمونه ويمشون في ركابه، فاغتالوه ذات يوم، وبموته انقطع الملك عن بيت ذي يزن، وولى كسرى عاملاً فارسياً على صنعاء ، وجعل اليمن ولاية فارسية فلم تزل الولاة من الفرس تتعاقب على اليمن حتى كان آخرهم باذان الذي اعتنق الإسلام سنة 638م. وبإسلامه انتهى نفوذ فارس على بلاد اليمن.
2- 3 - الملك بالحيرة:
كانت الفرس تحكم على العراق وماجاورها منذ أن جمع شملهم قوروش الكبير(557-529ق.م ) ولم يكن أحد يناوئهم، حتى قام الإسكندر المقدوني سنة 326ق.م فهزم ملكهم دارا الأول، وكسر شوكتهم، حتى تجزأت بلادهم وتولاها ملوك يعرفون بملوك الطوائف، واستمروا يحكمون البلاد مجزأة إلى سنة 230م. وفي عهد هؤلاء الملوك هاجر القحطانيون، واحتلوا جزءاً من ريف العراق ثم لحقهم من هاجر من العدنانيين فزاحموهم حتى سكنوا جزءاً من الجزيرة الفراتية.
وعادت القوة مرة ثانية إلى الفرس في عهد أردشير -مؤسس الدولة الساسانية منذ سنة 226م - فإنه جمع شمل الفرس، واستولى على العرب المقيمين على تخوم ملكه، وكان هذا سبباً في رحيل قضاعة إلى الشام، ودان له أهل الحيرة والأنبار.
وفي عهد أردشير كانت ولاية جذيمة الوضاح على الحيرة وسائر من ببادية العراق والجزيرة من ربيعة ومضر، وكان أردشير رأى أنه يستحيل عليه أن يحكم العرب مباشرة، ويمنعهم من الإغارة على تخوم ملكه، إلا أن يملك عليهم رجلاً منهم له عصبية تؤيده وتمنعه، ومن جهة أخرى يمكنه الاستعانة بهم على ملوك الرومان الذين كان يتخوفهم، وليكون عرب العراق أمام عرب الشام الذين اصطنعهم ملوك الرومان، وكان يبقي عند ملك الحيرة كتيبة من جند الفرس؛ليستعين بها على الخارجين على سلطانه من عرب البادية، وكان موت جذيمة حوالي سنة 268م.
وبعد موت جذيمة ولي الحيرة عمرو بن عدي بن نصر اللخمي، أول ملوك اللخميين -في عهد كسرى سابور بن أردشير - ثم لم تزل الملوك من اللخميين تتوالى على الحيرة حتى ولي الفرس قباذ بن فيروز، وفي عهده ظهر مزدك، وقام بالدعوة إلى الإباحية، فتبعه قباذ كما تبعه كثير من رعيته، ثم أرسل قباذ إلى ملك الحيرة -وهو المنذر بن ماء السماء - يدعوه إلى أن يختار هذا المذهب ويدين به، فأبى عليه ذلك حمية وأنفة، فعزله قباذ، وولى بدله الحارث بن عمرو بن حجر الكندي بعد أن أجاب دعوته إلى المذهب المزدكي.
وخلف قباذ كسرى أنوشروان، وكان يكره هذا المذهب جداً، فقتل المزدك وكثيراً ممن دان بمذهبه، وأعاد المنذر إلى ولاية الحيرة ، وطلب الحارث بن عمرو لكنه أفلت إلى دار كلب، فلم يزل فيهم حتى مات.
واستمر الملك بعد المنذر بن ماء السماء في عقبه، حتى كان النعمان بن المنذر، وهو الذي غضب عليه كسرى بسبب وشاية دبرها زيد بن عدي العبادي، وأرسل كسرى إلى النعمان يطلبه، فخرج النعمان حتى نزل سراً على هانىء بن مسعود سيد آل شيبان ، فأودعه أهله وماله، ثم توجه إلى كسرى، فحبسه كسرى حتى مات وولي على الحيرة بدله إياس بن قبيصة الطائي، وأمره أن يرسل إلى هانىء بن مسعود يطلب منه تسليم ماعنده، فأبى ذلك هانىء حمية، وآذن الملك بالحرب، ولم تلبث أن جاءت مرازبة كسرى وكتائبه في موكب إياس، وكانت بين الفريقين موقعة هائلة عند ذي قار، وانتصر فيها بنو شيبان ، وانهزمت الفرس هزيمة منكرة. وهذا أول يوم انتصرت فيه العرب على العجم، وهو بعد ميلاد الرسول صلَّى الله عليه وسلم بقليل، فإنه عليه السلام ولد لثمانية أشهر من ولاية إياس بن قبيصة على الحيرة .
وولّى كسرى على الحيرة بعد إياس حاكماً فارسياً، وفي سنة 632م عاد الملك إلى آل لخم ، فتولى منهم المنذر الملقب بالمعرور، ولم تزد ولايته على ثمانية أشهر حتى قدم عليه خالد بن الوليد بعساكر المسلمين.
2- 4 - الملك بالشام:
في العهد الذي ماجت فيه العرب بهجرات القبائل صارت بطون من قضاعة إلى مشارف الشام وسكنت بها، وكانوا من بني سليح بن حلوان الذين منهم بنو ضجعم بن سليح المعروفون باسم الضجاعمة، فاصطنعهم الرومان ليمنعوا عرب البرية من العبث، وليكونوا عدة ضد الفرس، وولوا منهم ملكاً، ثم تعاقب الملك فيهم سنين، ومن أشهر ملوكهم زياد بن الهبولة، ويقدر زمنهم من أوائل القرن الثاني الميلادي إلى نهايته تقريباً.
وانتهت ولايتهم بعد قدوم آل غسان ، الذي غلبوا الضجاعمة على مابيدهم وانتصروا عليهم، فولتهم الروم ملوكاً على عرب الشام، وكانت قاعدتهم دومة الجندل ، ولم تزل تتوالى الغساسنة على الشام بصفتهم عمالاً لملوك الروم حتى كانت وقعة اليرموك سنة 13هجرية، وانقاد للإسلام آخر ملوكهم جبلة بن الأيهم في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
2- 5 - الإمارة بالحجاز:
ولي إسماعيل عليه السلام زعامة مكة وولاية البيت طول حياته. وتوفي وله 137سنة. ثم ولي اثنان من أبنائه نابت ثم قيدار، ويقال العكس، ثم ولي أمر مكة بعدهما جدّهما مضاض بن عمرو الجرهمي، فانتقلت زعامة مكة إلى جدهم، وظلت في أيديهم، وكان لأولاد إسماعيل مركز محترم؛ لما لأبيهم من بناء البيت، ولم يكن لهم من الحكم شيء.
ومضت الدهور والأيام ولم يزل أمر أولاد إسماعيل عليه السلام ضئيلاً لايذكر، حتى ضعف أمر جرهم قبيل ظهور بختنصر، وأخذ نجم عدنان السياسي يتألق في أفق سماء مكة منذ ذلك العصر، بدليل ماجاء بمناسبة غزو بختنصر للعرب في ذات عرق ، فإن قائد العرب في الموقعة لم يكن جرهمياً.
وتفرقت بنو عدنان إلى اليمن عند غزوة بختنصر الثانية (سنة 587ق.م )، وذهب برمياه النبي بمعد إلى الشام، فلما انكشف ضغط بختنصر رجع معد إلى مكة فلم يجد من جرهم إلا جرشم بن جلهمة، فتزوج بابنته معانة فولدت له نزاراً.
وساء أمر جرهم بمكة بعد ذلك، وضاقت أحوالهم، فظلموا الوافدين إليها، واستحلوا مال الكعبة، الأمر الذي كان يغيظ العدنانيين، ويثير حفيظتهم، ولما نزلت خزاعة بمر الظهران. ورأت نفور العدنانيين من الجراهمة استغلت ذلك، فقامت بمعونة من بطون عدنان -وهم بنو بكر بن عبد مناف بن كنانة - بمحاربة جرهم، حتى أجلتهم عن مكة ، واستولت على حكمها، في أواسط القرن الثاني للميلاد.
ولما لجأت جرهم إلى الجلاء سدوا بئر زمزم، ودرسوا موضعها، ودفنوا فيها عدة أشياء، قال ابن إسحاق: فخرج عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي بغزالي الكعبة، وبحجر الركن الأسود فدفنهما في بئر زمزم، وانطلق هو ومن معه من جرهم إلى اليمن ، فحزنوا على مافارقوا من أمر مكة وملكها حزناً شديداً، وفي ذلك قال عمرو:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا
(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)( *****)(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)(* ****)(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)(** ***)(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)(*** **)(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)(**** *)(*****)نيس ولم يسمر بمكة سامر
(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)( *****)(*****)(*****)(*****)بلى نحن كنا أهلها فأبادنا
(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)( *****)(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)(* ****)(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)(** ***)(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)(*** **)(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)(**** *)روف الليالي والجدود العواثر
ويقدر زمن إسماعيل عليه السلام بعشرين قرناً قبل الميلاد، فتكون إقامة جرهم في مكة واحداً وعشرين قرناً تقريباً، وحكمهم على مكة زهاء عشرين قرناً. واستبدت خزاعة بأمر مكة دون بني بكر ، إلا أنه كان إلى قبائل مضر ثلاث خلال:
الأولى: الدفع بالناس من عرفة إلى المزدلفة، والإجازة بهم يوم النفر من منى ، وكان يلي ذلك بنو الغوث بن مرة من بطون إلياس بن مضر، وكانوا يسمون صوفة ومعنى هذه الإجازة أن الناس كانوا لايرمون يوم النفر حتى يرمي رجل من صوفة، ثم إذا فرغ الناس من الرمي، وأرادوا النفر من منى أخذت صوفة بجانبي العقبة ، فلم يجز أحد حتى يمروا، ثم يخلون سبيل الناس، فلما انقرضت صوفة ورثهم بنو سعد بن زيد مناة من تميم .
الثانية: الإفاضة من جُمَع غداة النحر إلى منى ، وكان ذلك في بني عدوان.
الثالثة: إنساء الأشهر الحرم . وكان ذلك إلى بني تميم بن عدي من بني كنانة.
واستمرت ولاية خزاعة على مكة ثلاثمائة سنة. وفي وقت حكمهم انتشر العدنانيون في نجد وأطراف العراق والبحرين، وبقي بأطراف مكة بطون من قريش وهم حلول وحرم، وبيوتات متفرقون في قومهم من بني كنانة، وليس لهم من أمر مكة ولا البيت الحرام شيء حتى جاء قصي بن كلاب.
ويذكر من أمر قصي أن أباه مات وهو في حضن أمه، ونكحت أمه رجلاً من بني عذرة -وهو ربيعة بن حرام - فاحتملها إلى بلاده بأطراف الشام، فلما شب قصي رجع إلى مكة ، وكان واليها إذذاك حليل بن حبشة من خزاعة ، فخطب قصي إلى حليل ابنته حبى، فرغب فيه حليل وزوجه إياها فلما مات حليل قامت حرب بين خزاعة وقريش أدت أخيراً إلى تغلب قصي على أمر مكة والبيت.
وهناك ثلاث روايات في بيان سبب هذه الحرب:
الأولى: أن قصيا لما انتشر ولده وكثر ماله وعظم شرفه وهلك حليل رأى أنه أولى بالكعبة وبأمر مكة من خزاعة وبني بكر ، وأن قريشاً رؤوس آل إسماعيل وصريحهم، فكلم رجالاً من قريش وبني كنانة في إخراج خزاعة وبني بكر عن مكة فأجابوه.
الثانية: أن حليلاً -فيما تزعم خزاعة - أوصى قصياً بالقيام على الكعبة وبأمر مكة.
الثالثة: أن حليلاً أعطى ابنته حبى ولاية البيت، واتخذ أبا غبشان الخزاعي وكيلا لها، فقام أبو غبشان بسدانة الكعبة نيابة عن حبى، فلما مات حليل اشترى قصي ولاية البيت من أبي غبشان بزق من الخمر، ولم ترض خزاعة بهذا البيع، وحاولوا منع قصي عن البيت، فجمع قصي رجالاً من قريش وبني كنانة لإخراج خزاعة من مكة، فأجابوه.
وأياما كان، فلما مات حليل وفعلت صوفة ماكانت تفعل أتاهم قصي بمن معه من قريش وكنانة عند العقبة فقال: نحن أولى بهذا منكم ، فقاتلوه فغلبهم قصي على ماكان بأيديهم، وانحازت عند ذلك خزاعة وبنو بكر عن قصي، فبدأهم قصي، وأجمع لحربهم، فالتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً، صار جمع من الفريقين فريسة له، ثم تداعوا إلى الصلح فحكموا يعمر بن عوف أحد بني بكر ، فقضى بأن قصياً أولى بالكعبة وبأمر مكة من خزاعة ، وكل دم أصابه قصي منهم موضوع بشدخه تحت قدميه، وماأصابت خزاعة وبنو بكر ففيه الدية، وأن يخلى بين قصي وبين الكعبة -فسمى يعمر يومئذ الشداخ - وكان استيلاء قصي على مكة والبيت في أواسط القرن الخامس للميلاد سنة 440م وبذلك صارت لقصي، ثم لقريش السيادة التامة، والأمر النافذ في مكة، وصار الرئيس الديني لذلك البيت الذي كانت تفد إليه العرب من جميع أنحاء الجزيرة.
ومما فعله قصي بمكة أنه جمع قومه من منازلهم إلى مكة، وقطعها رباعاً بين قومه، وأنزل كل قوم من قريش منازلهم التي أصبحوا عليها، وأقر النسأة وآل صفوان، وعدوان ومرة بن عوف على ماكانوا عليه من المناصب؛لأنه كان يراه ديناً في نفسه لا ينبغي تغييره.
ومن مآثر قصي أنه أسس دار الندوة بالجانب الشمالي من مسجد الكعبة، وجعل بابها إلى المسجد، وكانت مجمع قريش ، وفيها تفصل مهام أمورها، ولهذه الدار فضل على قريش؛لأنها ضمنت اجتماع الكلمة وفض المشاكل بالحسنى.
وكان لقصي من مظاهر الرياسة والتشريف:
1- رياسة دار الندوة، ففيها كانوا يتشاورون فيما نزل بهم من جسام الأمور، ويزوجون فيها بناتهم.
2- اللواء، فكانت لاتعقد راية الحرب إلا بيده.
3- الحجابة وهي حجابة الكعبة، لايفتح بابها إلا هو، وهو الذي يلي أمر خدمتها وسدانتها.
4- سقاية الحاج، وهي أنهم كانوا يملأون للحجاج حياضاً من الماء، يحلونها بشيء من التمر والزبيب، فيشرب الناس منها إذا وردوا مكة.
5- رفادة الحاج، وهي طعام كان يصنع للحاج على طريقة الضيافة، وكان قصي فرض على قريش خرجاً تخرجه في الموسم من أموالها إلى قصي، فيصنع به طعاماً للحاج، يأكله من لم يكن له سعة ولا زاد.
وكان كل ذلك لقصي، وكان ابنه عبد مناف قد شرف وساد في حياته، وكان عبد الدار بكرة، فقال له قصي: لألحقنك بالقوم وإن شرفوا عليك، فأوصى له بما كان يليه من مصالح قريش ، فأعطاه دار الندوة والحجابة واللواء والسقاية والرفادة، وكان قصي لايخالف ولايرد عليه شيء صنعه، وكان أمره في حياته وبعد موته كالدين المتبع، فلما هلك أقام بنوه أمر لانزاع بينهم، ولكن لما هلك عبد مناف نافس أبناؤه بني عمهم عبد الدار في هذه المناصب، وافترقت قريش فرقتين، وكاد يكون بينهم قتال، إلا أنهم تداعوا إلى الصلح، واقتسموا هذه المناصب، فصارت السقاية والرفادة إلى بني عبد مناف، وبقيت دار الندوة واللواء والحجابة بيد بني عبد الدار، ثم حكم بنو عبد مناف القرعة فيما أصابهم فخرجت لهاشم بن عبد مناف، فكان هو الذي يلي السقاية والرفادة طول حياته، فلما مات خلفه أخوه المطلب بن عبد مناف، وولي بعده عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف جد رسول الله صلَّى الله عليه وسلم، وبعده أبناؤه حتى جاء الإسلام والولاية إلى العباس بن عبد المطلب.
وكانت لقريش مناصب سوى ذلك وزعوها فيما بينهم، وكونوا بها دويلة -بل بتعبيرأصح: شبه دويلة - ديمقراطية . وكانت لها من الدوائر والتشكيلات الحكومية مايشبه في عصرنا هذا دوائر البرلمان ومجالسها، وهاك لوحة من تلك المناصب:
1-الإيسار، أي تولية قداح الأصنام للاستقسام، كان ذلك في بني جمح.
2-تحجير الأموال، أي نظم القربات والنذور التي تهدى إلى الأصنام، وكذلك فصل الخصومات والمرافعات. كان ذلك في بني سهم.
3-الشورى، كانت في بني أسد .
4-الأشناق، أي نظم الديات والغرامات، كان ذلك في بني تيم.
5-العقاب، أي حمل اللواء القومي، كان ذلك في بني أمية.
6-القبة، أي نظم المعسكر، وكذلك قيادة الخيل، كانت في بني مخزوم.
7-السفارة، كانت في بني عدي.
2- 6 - الحكم في سائر العرب:
قد سبق لنا أن ذكرنا هجرات القبائل القحطانية والعدنانية، وأن البلاد العربية اقتسمت فيما بينها، فما كان من هذه القبائل بالقرب من الحيرة كانت تبعاً لملك العرب بالحيرة، وماكان منها في بادية الشام كانت تبعاً للغساسنة، إلا أن هذه التبعية كانت اسمية لافعلية. وأما ماكان منها في البوادي في داخل الجزيرة فكانت حرة مطلقة.
وفي الحقيقة كان لهذه القبائل رؤساء تسودهم القبيلة، وكانت القبيلة حكومة مصغرة على أساس كيانها السياسي الوحدة العصبية، والمنافع المتبادلة في حماية الأرض ودفع العدوان عنها.
وكانت درجة رؤساء القبائل في قومهم كدرجة الملوك، فكانت القبيلة تبعاً لرأي سيدها في السلم والحرب، لاتتأخر عنه بحال، وكان له من الحكم والاستبداد بالرأي مايكون لدكتاتور قوي، حتى كان بعضهم إذا غضب غضب له ألوف من السيوف لاتسأله فيما غضب، إلا أن المنافسة في السيادة بين أبناء العم كانت تدعوهم إلى المصانعة بالناس، من بذل الندى، وإكرام الضيف، والكرم، والحلم، وإظهار الشجاعة، والدفاع عن الغير؛حتى يكسبوا المحامد في أعين الناس، ولاسيما الشعراء الذين كانوا لسان القبيلة في ذلك الزمان، وحتى تسمو درجتهم عن مستوى المنافسين.
وكان للسادة والرؤساء حقوق خاصة، فكانوا يأخذون من الغنيمة المرباع والصفي والنشيطة والفضول، يقول الشاعر:
لك المرباع فينا والصفايا
(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)( *****)(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)(* ****)(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)(** ***)(*****)(*****)(*****)(*****)حكمك والنشيطة والفضول
والمرباع: ربع الغنيمة، والصفي: مايصفيه الرئيس لنفسه قبل القسمة، والنشيطة: ماأصاب الرئيس في الطريق قبل أن يصل إلى بيضة القوم. والفضول: ما فضل من القسمة مما لا تصح قسمته على عدد الغزاة، كالبعير والفرس ونحوهما.
2- 7 - الحالة السياسية:
قد ذكرنا حكام العرب، والآن آن لنا أن نذكر جملة من أحوالهم السياسية، فالأقطار الثلاثة التي كانت مجاورة للأجانب كانت حالتها السياسية في تضعضع وانحطاط لا مزيد عليه، فقد كان الناس بين سادة وعبيد، أو حكام ومحكومين، فالسادة -ولاسيما الأجانب - لهم كل الغنم، والعبيد عليهم كل الغرم، وبعبارة أوضح إن الرعايا كانت بمثابة مزرعة تورد المحصولات إلى الحكومات، فتستخدمها في ملذاتها وشهواتها، ورغائبها، وجورها، وعدوانها. أما الناس فهم في عمايتهم يتخبطون، والظلم ينحط عليهم من كل جانب وما في استطاعتهم التذمر والشكوى، بل هم يسامون الخسف، والجور، والعذاب ألواناً ساكتين، فقد كان الحكم استبدادياً، والحقوق ضائعة مهدورة، والقبائل المجاورة لهذه الأقطار مذبذبون تتقاذفهم الأهواء والأغراض، مرة يدخلون في أهل العراق، ومرة يدخلون في أهل الشام. وكانت أحوال القبائل داخل الجزيرة مفككة الأوصال، تغلب عليها المنازعات القبلية والاختلافات العنصرية والدينية حتى قال ناطقهم:
وما أنا إلا من غزية إن غوت
(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)( *****)(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)(* ****)(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)(** ***)(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)(*****)(*** **)(*****)(*****)(*****)ويت، وإن ترشد غزية أرشد
ولم يكن لهم ملك يدعم استقلالهم، أو مرجع يرجعون إليه، ويعتمدون عليه وقت الشدائد.
وأما حكومة الحجاز؛ فقد كانت تنظر إليها العرب نظرة تقدير واحترام، ويرونها قادة وسدنة المركز الديني، وكانت تلك الحكومة في الحقيقة خليطاً من الصدارة الدنيويةوالحكومية والزعامة الدينية، حكمت بين العرب باسم الزعامة الدينية، وحكمت في الحرم وما والاه بصفتها حكومة تشرف على مصالح الوافدين إلى البيت، وتنفذ حكم شريعة إبراهيم، وكان لها من الدوائر والتشكيلات مايشابه دوائر البرلمان -كما أسلفنا - ولكن هذه الحكومة كانت ضعيفة لاتقدر على حمل العبء كما وضح يوم غزوة الأحباش.
3 - ديانات العرب
كان معظم العرب اتبعوا دعوة إسماعيل -عليه السلام - حين دعاهم إلى دين أبيه إبراهيم -عليه السلام - فكانت تعبدالله وتوحده وتدين بدينه، حتى طال عليهم الأمد ونسوا حظاً مما ذكروا به، إلا أنهم بقي فيهم التوحيد وعدة شعائر من دين إبراهيم، حتى جاء عمرو بن لحي رئيس خزاعة ، وكان قد نشأ على أمر عظيم من المعروف والصدقة والحرص على أمور الدين، فأحبه الناس، ودانوا له ظناً منهم أنه من أكابر العلماء وأفاضل الأولياء، ثم أنه سافر إلى الشام، فرآهم يعبدون الأوثان، فاستحسن ذلك وظنه حقاً، لأن الشام محل الرسل والكتب، فقدم معه بهبل وجعله في جوف الكعبة، ودعا أهل مكة إلى الشرك بالله، فأجابوه. ثم لم يلبث أهل الحجاز أن تبعوا أهل مكة ، لأنهم ولاة البيت وأهل الحرم.
ومن أقدم أصنامهم مناة، كانت بالمشلل على ساحل البحر الأحمر بالقرب من قديد ، ثم اتخذوا اللات في الطائف ، ثم اتخذوا العزى بوادي نخلة ، هذه الثلاث أكبر أوثانهم، ثم كثر الشرك، وكثرت الأوثان في كل بقعة من الحجاز، ويذكر أن عمرو بن لحي كان له رئي من الجن، فأخبره بأن أصنام قوم نوح -وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً - مدفونة بجدة فأتاها فاستثارها، ثم أوردها إلى تهامة، فلما جاء الحج دفعها إلى القبائل، فذهبت بها إلى أوطانها، حتى صار لكل قبيلة ثم في كل بيت صنم. وقد ملأوا المسجد الحرام بالأصنام، ولما فتح رسول الله صلَّى الله عليه وسلم مكة وجد حول البيت ثلاثمائة وستين صنماً، فجعل يطعنها حتى تساقطت، ثم أمر بها فأخرجت من المسجد وحرقت.
وهكذا صار الشرك وعبادة الأصنام أكبر مظهر من مظاهر دين أهل الجاهلية، الذين كانوا يزعمون أنهم على دين إبراهيم.
وكانت لهم تقاليد ومراسم في عبادة الأصنام، ابتدع أكثرها عمرو بن لحى، وكانوا يظنون أن ماأحدثه عمرو بن لحي بدعة حسنة، وليس بتغيير لدين إبراهيم فكان من مراسم عبادتهم للأصنام أنهم:
1-كانوا يعكفون عليها، ويلتجئون إليها.. ويهتفون بها، ويستغيثونها في الشدائد، ويدعونها لحاجاتهم، معتقدين أنها تشفع عند الله، وتحقق لهم ما يريدون.
2-وكانوا يحجون إليها ويطوفون حولها، ويتذللون عندها، ويسجدون لها.
3-وكانوا يتقربون إليها بأنواع من القرابين، فكانوا يذبحون و ينحرون لها وبأسمائها.
وهذان النوعان من الذبح ذكرهما الله تعالى في قوله: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب ِ}وفي قوله: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ }.
4-وكان من أنواع التقرب أنهم كانوا يخصون للأصنام شيئاً من مآكلهم ومشاربهم حسبما يبدو لهم، وكذلك كانوا يخصون لها نصيباً من حرثهم وأنعامهم. ومن الطرائف أنهم كانوا يخصون من ذلك جزءاً لله أيضاً، وكانت عندهم أسباب كثيراً ماكانوا ينقلون لأجلها إلى الأصنام ما كان لله، ولكن لم يكونوا ينقلون إلى الله ما كان لأصنامهم بحال. قال تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنْ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُون َ}.
5-وكان من أنواع التقرب إلى الأصنام النذر في الحرث والأنعام، قال تعالى: {وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ }.
6-وكانت منها البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي. قال ابن إسحاق: البحيرة بنت السائبة، هي الناقة إذا تابعت بين عشر إناث ليس بينهم ذكر سيبت، فلم يركب ظهرها، ولم يجز وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ضيف، فما نتجت بعد ذلك من أنثى شقت أذنها، ثم خلى سبيلها مع أمها، فلم يركب ظهرها، ولم يجز وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ضيف، كما فعل بأمها. فهي البحيرة بنت السائبة. والوصيلة: الشاة إذا أثأمت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن ليس بينهن ذكر جعلت وصيلة. قالوا: قد وصلت، فكان ما ولد بعد ذلك للذكور منهم دون إناثهم إلا أن يموت شيء فيشترك في أكله ذكورهم وإناثهم.
والحامي: الفحل إذا نتج له عشر إناث متتابعات ليس بينهن ذكر حمي ظهره، فلم يركب، ولم يجز وبره، وخلي في إبله يضرب فيها، لاينتفع منه بغير ذلك، وفي ذلك أنزل الله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ }، وأنزل:
{وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ }.
وقيل في تفسير هذه الأنعام غير ذلك.
وقد صرح سعيد بن المسيب أن هذه الأنعام كانت لطواغيتهم وفي الصحيح مرفوعاً: أن عمرو بن لحي أول من سيب السوائب.
كانت العرب تفعل كل ذلك بأصنامهم، معتقدين أنها تقربهم إلى الله وتوصلهم إليه، وتشفع لديه كما في القرآن:
{مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى }.
{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّه ِ}.
وكانت العرب تستقسم بالأزلام، والزلم: القدح الذي لاريش عليه، وكانت الأزلام ثلاثة أنواع: نوع فيه "نعم "(*****)و "لا "(*****)كانوا يستقسمون بها فيما يريدون من العمل من نحو السفر والنكاح وأمثالهما. فإن خرج "نعم "(*****)عملوا به وإن خرج "لا "(*****)أخروه عامه ذلك حتى يأتوه مرة أخرى، ونوع فيه المياه والدية، ونوع فيه "منكم "(*****)أو "من غيركم "(*****)أو "ملصق "(*****)فكانوا إذا شكوا في نسب أحدهم ذهبوا به إلى هبل، وبمائة جزور، فأعطوها صاحب القداح. فإن خرج "منكم "(*****)كان منهم وسيطاً، وإن خرج عليه "من غيركم "(*****)كان حليفاً، وإن خرج عليه "ملصق "(*****)كان على منزلته فيهم، لا نسب ولا حلف.
ويقرب من هذا الميسر والقداح، وهو ضرب من ضروب القمار، وكانوا يقتسمون به لحم الجزور التي يذبحونها بحسب القداح.
وكانوا يؤمنون بأخبار الكهنة والعرافين والمنجمين، والكاهن: هو من يتعاطى الإخبار عن الكوائن في المستقبل، ويدعي معرفة الأسرار، ومن الكهنة من يزعم أن له تابعاً من الجن يلقي عليه الأخبار، ومنهم من يدعي إدراك الغيب بفهم أعطيه، ومنهم من يدعي معرفة الأمور بمقدمات وأسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله، وهذا القسم يسمى عرافاً، كمن يدعي معرفة المسروق ومكان السرقة والضالة ونحوهما. والمنجّم:من ينظر في النجوم أي الكواكب، ويحسب سيرها ومواقيتها، ليعلم بها أحوال العالم وحوادثه التي تقع في المستقبل والتصديق بأخبار المنجمين هو في الحقيقة إيمان بالنجوم، وكان من إيمانهم بالنجوم الإيمان بالأنواء، فكانوا يقولون:مطرنا بنوء كذا وكذا.
وكانت فيهم الطيرة (بكسر ففتح ) وهي التشاؤم بالشيء، وأصله أنهم كانوا يأتون الطير أو الظبي فينفرونه، فإن أخذ ذات اليمين مضوا إلى ماقصدوا، وعدوه حسناً، وإن أخذ ذات الشمال انتهوا عن ذلك وتشاءموا، وكانوا يتشاءمون كذلك إن عرض الطير أو الحيوان في طريقهم.
ويقرب من هذا تعليقهم كعب الأرنب، والتشاؤم ببعض الأيام والشهور والحيوانات والدور والنساء، والاعتقاد بالعدوى والهامة، فكانوا يعتقدون أن المقتول لا يسكن جأشه مالم يؤخذ بثأره، وتصير روحه هامة أي بومة تطير في الفلوات وتقول: صدى صدى أو أسقوني أسقوني، فإذا أخذ بثأره سكن واستراح.
كان أهل الجاهلية على ذلك وفيهم بقايا من دين إبراهيم ولم يتركوه كله، مثل تعظيم البيت والطواف به، والحج، والعمرة، والوقوف بعرفة، والمزدلفة وإهداء البدن، نعم ابتدعوا في ذلك بدعاً.
منها أن قريشاً كانوا يقولون:نحن بنو إبراهيم وأهل الحرم، وولاة البيت وقاطنو مكة ، وليس لأحد من العرب مثل حقنا ومنزلتنا -وكانوا يسمون أنفسهم الحمس - فلا ينبغي لنا أن نخرج من الحرم إلى الحل، فكانوا لا يقفون بعرفة، ولا يفيضون منها، وإنما كانوا يفيضون من المزدلفة وفيهم أنزل: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ }.
ومنها أنهم قالوا: لا ينبغي للحُمْس أن يغطوا الأقط ولا يسلئوا السمن، وهم حرم، ولا يدخلوا بيتاً من شعر، ولا يستظلوا إن استظلوا إلا في بيوت الأدم ما داموا حرماً.
ومنها أنهم قالوا: لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاءوا به من الحل إلى الحرم إذا جاءوا حجاجاً أو عماراً.
ومنها أنهم أمروا أهل الحل أن لا يطوفوا بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحمس، فإن لم يجدوا شيئاً فكان الرجال يطوفون عراة، وكانت المرأة تضع ثيابها كلها إلا درعاً مفرجاً ثم تطوف فيه وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله
(*****) مابدا منه فلا أحله
وأنزل الله في ذلك: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } فإن تكرم أحد من الرجل والمرأة فطاف في ثيابه التي جاء بها من الحل ألقاها بعد الطواف، ولا ينتفع بها هؤلاء ولا أحد غيره.
ومنها أنهم كانوا لا يأتون بيوتهم من أبوابها في حال الإحرام، بل كانوا ينقبون في ظهور البيوت نقباً يدخلون ويخرجون منه، وكانوا يحسبون ذلك الجفاء براً وقد منعه القرآن (189:2).
كانت هذه الديانة -ديانة الشرك وعبادة الأوثان، والاعتقاد بالوهميات والخرافيات - ديانة معظم العرب، وقد وجدت اليهودية، والمسيحية، والمجوسية، والصابئية سبيلاً للدخول في ربوع العرب.
ولليهود دوران -على الأقل - مثلوهما في جزيرة العرب:
الأول: هجرتهم في عهد الفتوح البابلية والآشورية في فلسطين، فقد نشأ عن الضغط على اليهود، وعن تخريب بلادهم وتدمير هيكلهم على يد الملك بختنصر سنة 587ق.م. وسبي أكثرهم إلى بابل أن قسماً منهم هجر البلاد الفلسطينية إلى الحجاز، وتوطن في ربوعها الشمالية.
الدور الثاني: يبدأ من احتلال الرومان لفلسطين بقيادة بتطس الروماني سنة 70م، فقد نشأ عن ضغط الرومان على اليهود، وعن تخريب الهيكل وتدميره أن قبائل عديدة من اليهود رحلت إلى الحجاز، واستقرت في يثرب وخيبر وتيماء، وأنشأت فيها القرى والآطام والقلاع، وانتشرت الديانة اليهودية بين قسم من العرب عن طريق هؤلاء المهاجرين، وأصبح لها شأن يذكر في الحوادث السياسية التي سبقت ظهور الإسلام، والتي حدثت في صدره. وحينما جاء الإسلام كانت القبائل اليهودية المشهورة هي: خيبر والنضير والمصطلق وقريظة وقينقاع، وذكر السمهودي في وفاء الوفا (ص 116) أن عدد القبائل اليهودية يزيد على عشرين.
ودخلت اليهودية في اليمن من قبل تبان أسعد أبي كرب، فإنه ذهب مقاتلاً إلى يثرب واعتنق هناك اليهودية وجاء بحبرين من بني قريظة إلى اليمن ، فأخذت اليهودية إلى التوسع والانتشار فيها، ولما ولي اليمن بعده ابنه يوسف ذو نواس هجم على المسيحيين من أهل نجران ودعاهم إلى اعتناق اليهودية، فلما أبوا خدَّ لهم الأخدود، وأحرقهم بالنار، ولم يفرق بين الرجل والمرأة والأطفال الصغار والشيوخ الكبار، ويقال إن عدد المقتولين مابين عشرين ألفاً إلى أربعين ألفاً، وقع ذلك في أكتوبر سنة 523م. وقد أورد القرآن جزءاً من هذه القصة في سورة البروج.
أما الديانة النصرانية فقد جاءت إلى بلاد العرب عن طريق احتلال الحبشة والرومان، وكان أول احتلال الحبشة لليمن سنة 340م، واستمر إلى سنة 378م، وفي ذلك الزمان دخل التبشير المسيحي في ربوع اليمن ، وبالقرب من هذا الزمان دخل رجل زاهد مستجاب الدعوات وصاحب كرامات -وكان يسمى فيميون - إلى نجران ، ودعاهم إلى الدين المسيحي، ورأى أهل نجران من أمارات صدقه وصدق دينه ما لبوا لأجله المسيحية واعتنقوها.
ولما احتلت الأحباش اليمن كرد فعل لما أتاه ذو نواس، وتمكن أبرهة من حكومتها؛أخذ ينشر الديانة المسيحية بأوفر نشاط، وأوسع نطاق، حتى بلغ من نشاطه أنه بنى كعبة باليمن، وأراد أن يصرف حج العرب إليها، ويهدم بيت الله الذي بمكة، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى.
وقد اعتنق النصرانية العرب الغساسنة وقبائل تغلب وطيء وغيرهما لمجاورة الرومان، بل قد اعتنقها بعض ملوك الحيرة .
أما المجوسية فكان معظمها في العرب الذين كانوا بجوار الفرس، فكانت في عراق العرب وفي البحرين -الأحساء - وهجر وما جاورها من منطقة سواحل الخليج العربي، ودان لها رجال من اليمن في زمن الاحتلال الفارسي.
أما الصابئية فقد دلت الحفريات والتنقيبات في بلاد العراق وغيرها أنها كانت ديانة قوم إبراهيم الكلدانيين، وقد دان بها كثير من أهل الشام، وأهل اليمن في غابر الزمان، وبعد تتابع الديانات الجديدة من اليهودية والنصرانية تضعضع بنيان الصابئية وخمد نشاطها، ولكن لم يزل في الناس بقايا من أهل هذه الديانة مختلطين مع المجوس، أو مجاورين لهم، في عراق العرب، وعلى شواطىء الخليج العربي.
4 - الحالة الدينية
كانت هذه الديانات هي ديانات العرب حين جاء الإسلام، وقد أصاب هذه الديانات الانحلال والبوار، فالمشركون الذين كانوا يدعون أنهم على دين إبراهيم كانوا بعيدين عن أوامر ونواهي شريعة إبراهيم، مهملين ماأتت به من مكارم الأخلاق. فكثرت معاصيهم، ونشأ فيهم على توالي الزمان ماينشأ في الوثنيين من عادات وتقاليد تجري مجرى الخرافات الدينية، وأثرت في الحياة الاجتماعية والسياسية والدينية تأثيراً بالغاً جداً.
أما اليهودية فقد انقلبت رياء وتحكماً، وصار رؤساؤها أرباباً من دون الله، يتحكمون في الناس ويحاسبونهم حتى على خطرات النفس وهمسات الشفاه، وجعلوا همهم الحظوة بالمال والرياسة، وإن ضاع الدين وانتشر الإلحاد والكفر والتهاون بالتعاليم التي حض الله عليها وأمر كل فرد بتقديسها.
وأما النصرانية فقد عادت وثنية عسرة الفهم، وأوجدت خلطاً عجيباً بين الله والإنسان، ولم يكن لها في نفوس العرب المتدينين بهذا الدين تأثير حقيقي، لبعد تعاليمها عن طراز المعيشة التي ألفوها، ولم يكونوا يستطيعون الابتعاد عنها.
وأما سائر أديان العرب فكانت أحوال أهلها كأحوال المشركين، فقد تشابهت قلوبهم، وتواردت عقائدهم، وتوافقت تقاليدهم وعوائدهم.
5- 1 - مقدمة صور من المجتمع العربي الجاهلي:
بعد البحث عن سياسة الجزيرة وأديانها؛ بقي لنا أن نتكلم حول الأحوال الاجتماعية، والاقتصادية، والخلقية، وفيما يلي بيانها بإيجاز:
5- 2 - الحالة الاجتماعية:
كانت في العرب أوساط متنوعة، تختلف أحوال بعضها عن بعض، فكانت علاقة الرجل مع أهله في الأشراف على درجة كبيرة من الرقي والتقدم، وكان لها من حرية الإرادة ونفاذ القول القسط الأوفر، وكانت محترمة مصونة تسل دونها السيوف، وتراق الدماء، وكان الرجل إذا أراد أن يمتدح بما له في نظر العرب المقام السامي من الكرم والشجاعة لم يكن يخاطب في أكثر أوقاته إلا المرأة، وربما كانت المرأة إذا شاءت جمعت القبائل للسلام، وإن شاءت أشعلت بينهم نار الحرب والقتال، ومع هذا كله فقد كان الرجل يعتبر بلا نزاع رئيس الأسرة، وصاحب الكلمة فيها، وكان ارتباط الرجل بالمرأة بعقد الزواج تحت إشراف أوليائها ولم يكن من حقها أن تفتات عليهم.
بينما هذه حال الأشراف، كان هناك في الأوساط الأخرى أنواع من الإختلاط بين الرجل والمرأة، لا نستطيع أن نعبر عنه إلا بالدعارة والمجون والسفاح والفاحشة، روى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فكان منها نكاح الناس اليوم، يخطب الرجل إلى الرجل وليته فيصدقها ثم ينكحها، ونكاح آخر:كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتز لها زوجها ولا يمسها أبداً حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إن أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح يسمى نكاح الاستبضاع، ونكاح آخر: يجتمع الرهط دون العشرة. فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها. فإذا حملت، ووضعت ومرت ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، فتقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت، وهو ابنك يا فلان، فتسمي من أحبت منهم باسمه فيلحق به ولدها ونكاح رابع: يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها. وهن البغايا، كن ينصبن على أبوابهن رايات، تكن علماً لمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت فوضعت حملها جمعوا لها، ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون فالتاطه ودعى ابنه، لا يمتنع من ذلك، فلما بعث الله محمداً صلَّى الله عليه وسلم هدم نكاح أهل الجاهلية كله إلا نكاح الإسلام اليوم.
وكانت عندهم اجتماعات بين الرجل والمرأة تعقدها شفار السيوف، وأسنة الرماح، فكان المتغلب في حروب القبائل يسبي نساء المقهور فيستحلها، ولكن الأولاد الذين تكون هذه أمهم يلحقهم العار مدة حياتهم.
وكان من المعروف في أهل الجاهلية أنهم كانوا يعددون بين الزوجات من غير حد معروف ينتهي إليه، وكانوا يجمعون بين الأختين، وكانوا يتزوجون بزوجة آبائهم إذا طلقوها أو ماتوا عنها (سورة النساء 22، 23) وكان الطلاق بين الرجال لا إلى حد معين.
وكانت فاحشة الزنا سائدة في جميع الأوساط، لا نستطيع أن نخص منها وسطاً دون وسط أو صنفاً دون صنف، إلا أفراداً من الرجال والنساء ممن كان تعاظم نفوسهم يأبى الوقوع في هذه الرذيلة، وكانت الحرائر أحسن حالاً من الإماء والطامة الكبرى هي الإماء، ويبدو أن الأغلبية الساحقة من أهل الجاهلية لم تكن تحس بعار في الإنتساب إلى هذه الفاحشة، روى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه أن جده قال: قام رجل فقال يا رسول الله إن فلاناً ابني، عاهرت بأمه في الجاهلية، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم : "لا دعوة في الإسلام، ذهب أمر الجاهلية. الولد للفراش وللعاهر الحجر "، وقصة اختصام سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في ابن أمة زمعة -وهو عبد الرحمن بن زمعة - معروفة.
وكانت علاقة الرجل مع أولاده على أنواع شتى فمنهم من يقول:
إنما أولادنا بيننا
(*****) كبادنا تمشي على الأرضِ
ومنهم من كان يئد البنات خشية العار والإنفاق، ويقتل الأولاد خشية الفقر والإملاق (القرآن 6:151، 58:16-59، 31:17، 8:81 )، ولكن لا يمكننا أن نعد هذا من الأخلاق المنتشرة السائدة، فقد كانوا أشد الناس احتياجاً إلى البنين، ليتقوا بهم العدو.
أما معاملة الرجل مع أخيه وأبناء عمه وعشيرته فقد كانت موطدة قوية، فقد كانوا يحيون للعصبية القبلية، ويموتون لها. وكانت روح الاجتماع سائدة بين القبيلة الواحدة تزيدها العصبية، وكان أساس النظام الاجتماعي هو العصبية الجنسية والرحم، وكانوا يسيرون على المثل السائر "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً" على المعنى الحقيقي، من غير التعديل الذي جاء به الإسلام من أن نصر الظالم كفه عن ظلمه، إلا أن التنافس في الشرف والسؤدد كثيراً ما كان يفضي إلى الحروب بين القبائل التي كان يجمعها أب واحد، كما نرى ذلك بين الأوس والخزرج، وعبس وذبيان، وبكر وتغلب وغيرها.
أما العلاقة بين القبائل المختلفة فقد كانت مفككة الأوصال تماماً، وكانت قواهم متفانية في الحروب. إلا أن الرهبة والوجل من بعض التقاليد والعادات المشتركة بين الدين والخرافة ربما كان يخفف من حدتها وصرامتها وفي بعض الحالات كانت الموالاة والحلف والتبعية تفضي إلى اجتماع القبائل المتغايرة، وكانت الأشهر الحرم رحمة وعوناً لهم على حياتهم وحصول معايشهم.
وقصارى الكلام أن الحالة الاجتماعية كانت في الحضيض من الضعف والعماية فالجهل ضارب أطنابه، والخرافات لها جولة وصولة والناس يعيشون كالأنعام، والمرأة تباع وتشترى وتعامل كالجمادات أحياناً، والعلاقة بين الأمة واهية مبتوتة، وماكان من الحكومات فجل همتها امتلاء الخزائن من رعيتها، أو جر الحروب على مناوئيها.
5- 3 - الحالة الاقتصادية:
أما الحالة الاقتصادية، فتبعت الحالة الاجتماعية، ويتضح ذلك إذا نظرنا في طرق معايش العرب. فالتجارة كانت أكبر وسيلة للحصول على حوائج الحياة، والجولة التجارية لا تتيسر إلا إذا ساد الأمن والسلام، وكان ذلك مفقوداً في جزيرة العرب إلا في الأشهر الحرم ، وهذه هي الشهور التي كانت تعقد فيها أسواق العرب الشهيرة من عكاظ وذي المجاز ومجنة وغيرها.
وأما الصناعات فكانوا أبعد الأمم عنها، ومعظم الصناعات التي كانت توجد في العرب من الحياكة والدباغة وغيرها كانت في أهل اليمن والحيرة، ومشارف الشام، نعم كانت في داخل الجزيرة الزراعة، والحرث، واقتناء الأنعام، وكانت نساء العرب كافة يشتغلن بالغزل، لكن كانت الأمتعة عرضة للحروب، وكان الفقر والجوع والعرى عاماً في المجتمع.
5- 4 - الأخلاق:
لا ننكر أن أهل الجاهلية كانت فيهم دنايا ورذائل وأمور ينكرها العقل السليم، ويأباها الوجدان، ولكن كانت فيهم من الأخلاق الفاضلة المحمودة ما يروع الإنسان، ويُفضي به إلى الدهشة والعجب، فمن تلك الأخلاق:
1-الكرم، وكانوا يتبارون في ذلك ويفتخرون به، وقد استنفدوا فيه نصف أشعارهم، بين ممتدح به ومثن على غيره، كان الرجل يأتيه الضيف في شدة البرد والجوع، وليس عنده من المال إلا ناقته التي هي حياته وحياة أسرته، فتأخذه هزة الكرم، فيقوم إليها، ويذبحها لضيفه، ومن آثار كرمهم أنهم كانوا يتحملون الديات الهائلة والحمالات المدهشة، يكفون بذلك سفك الدماء، وضياع الإنسان، ويمتدحون بها مفتخرين على غيرهم من الرؤساء والسادات.
وكان من نتائج كرمهم أنهم كانوا يتمدحون بشرب الخمور، لا لأنها مفخرة في ذاتها، بل لأنها سبيل من سبل الكرم، ومما يسهل السرف على النفس، ولأجل ذلك كانوا يسمون شجر العنب بالكرم، وخمره ببنت الكرم. وإذا نظرت إلى دواوين أشعار الجاهلية تجد ذلك باباً من أبواب المديح والفخر، يقول عنترة بن شدّاد العبسي في معلقته:
ولقد شربت من المدامة بعدما
(*****) كد الهواجر بالمشوف المعلم
بزجاجة صفراء ذات أســــرة
(*****) رنت بأزهر بالشمال مفدم
فإذا شربت فإنني مســـتهلك
(*****) الي، وعرضي وافر لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصر عن ندى
(*****) كما علمت شمائلي وتكرمي
ومن نتائج كرمهم اشتغالهم بالميسر، فإنهم كانوا يرون أنه سبيل من سبل الكرم، لأنهم كانوا يطعمون المساكين ما ربحوه، أو ما كان يفضل عن سهام الرابحين، ولذلك ترى القرآن لا ينكر نفع الخمر والميسر وإنما يقول: {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا }.
2-ومن تلك الأخلاق الوفاء بالعهد، فقد كان العهد عندهم ديناً يتمسكون به، ويستهينون في سبيله قتل أولادهم، وتخريب ديارهم، وتكفي في معرفة ذلك قصة هانىء بن مسعود الشيباني، والسموأل بن عاديا، وحاجب بن زرارة التميمي.
3-ومنها عزة النفس وإباء عن قبول الخسف والضيم، وكان من نتائج هذا فرط الشجاعة، وشدة الغيرة، وسرعة الانفعال، فكانوا لا يسمعون كلمة يشمون منها رائحة الذل والهوان إلا قاموا إلى السيف والسنان، وأثاروا الحروب العوان، وكانوا لا يبالون بتضحية أنفسهم في هذا السبيل.
4-ومنها المضي في العزائم، فإذا عزموا على شيء يرون فيه المجد، والافتخار لا يصرفهم عنه صارف، بل كانوا يخاطرون بأنفسهم في سبيله.
5-ومنها الحلم، والأناة، والتؤدة، كانوا يتمدحون بها إلا أنها كانت فيهم عزيزة الوجود، لفرط شجاعتهم، وسرعة إقدامهم على القتال.
6-ومنها السذاجة البدوية، وعدم التلوث بلوثات الحضارة، ومكائدها، وكان من نتائجه الصدق والأمانة، والنفور عن الخداع والغدر.
نرى أن هذه الأخلاق الثمينة -مع ما كان لجزيرة العرب من الموقع الجغرافي بالنسبة إلى العالم - كانت سبباً في اختيارهم لحمل عبء الرسالة العامة، وقيادة الأمة الإنسانية والمجتمع البشري؛ لأن هذه الأخلاق وإن كان بعضها يفضي إلى الشر، ويجلب الحوادث المؤلمة، إلا أنها كانت في نفسها أخلاقاً ثمينة، تدر المنافع العامة للمجتمع البشري بعد شيء من الإصلاح، وهذا الذي فعله الإسلام.
ولعل أغلى ما عندهم من هذه الأخلاق وأعظمها نفعاً بعد الوفاء بالعهد هو عزة النفس والمضي في العزائم، إذ لا يمكن قمع الشر والفساد، وإقامة نظام العدل والخير، إلا بهذه القوة القاهرة، وبهذا العزم الصميم.
ولهم أخلاق فاضلة أخرى دون هذه التي ذكرناها وليس قصدنا استقصاءها.