ليلة تزوج فيها أحمد
حقيقة حاولت إخفاء هذا الشعور وتأنيب نفسى.. لم أستطع، كان حبى لبانى يقف حائلاً بينى وبين الشعور بالفرح لزواجه.
سبحت عايدة بأفكارها بعيدا حملها زورق الذكريات متهاديا في بحر الماضى مخترقا حاجز الزمن عائدا إلى الوراء عبر رحلة عمرها ربع قرن أحداثها تنبض بالحياة وتقفز مغادرة مكانها في مخزن الذكريات ذى الخلايا الرمادية ويحتل الثلث الأخير من مخ الإنسان، وتقف الذكريات بشخوصها فوق مسرح الحاضر حية دافئة بكل معانى الحياة، بكل ما تحتويه من أمل وألم.
انسلخت عايدة من وجودها على سرير المرض في غرفتها بالدرجة الأولى بالمستشفى الاستثمارى وحلقت بعيدا، كانت ترقد على سرير آخر في مستشفى للولادة.. شهدت ميلاد أول وآخر طفل نبت في أحشائها وحنت عليه بقلبها وروحها وهو لا يزال جنيناً يلتصق برحمها، يستمد الحياة والغذاء من كيانها الحي ودمها.. منها هي:
مبروك.. أحمد إنه طفل مثل القمر.. قالها زوجها الطبيب الناجح إسماعيل صادق وهو ينحنى عليها بعد أن أفاقت من المخدر ويطبع قبلة حانية قبلة حب وامتنان فوق جبينها.. لقد أصبحت أما وبصوت واهن طلبت أن ترى وليدها الذى عرفه قلبها قبل أن تراه عيناها، وتأتى الممرضة بالطفل فتحتضنه في سعادة غامرة وتنظر بحب وحنان إلى ملامح وجهه تتعجل الزمن لكي يسرع في دورته ويشبع الصغير ويصبح رجلا يتزوج ويملأ البيت أطفالاً.
زفرة أسى تنطلق من صدر الراقدة فوق سرير المرض مستسلمة إلى مصيرها.. وحيدة لا يؤنس وحدتها مخلوق، لا شيء سوى السكون والصمت، عيناها مغلقتان.. تتابع أنفاسها معلنة عن وجود الحياة داخل الجسد المغطى أكثر من ثلثه بأربطة الشاش والضمادات، آلامها تزيد وتشتد حين يزول أثر المخدر المسكن وينتهى مفعوله بينما زجاجات المحاليل معلقة في أوردتها كجزء من علاج الحروق التي أصابتها.
الزورق يمضى في رحلته الزمانية.. يعود إلى الوراء.. يتوقف هنا البيت الكبير.. بيت الزوجية بحديقته وأشجار الفاكهة والزينة، شجرة المشمش وأشجار الجوافة، أشجار البرتقال واليوسفى تتفتح أزهارها في الربيع تعطر الجو من حولها برائحة زكية تريح النفس وتهدئ الأعصاب وتحمل السكينة في شذاها الذى يضوع ليملأ كل مكان حولنا بالسحر والبهجة، صوت الموسيقى والدفء وإيقاع الحياة المتوازنة بكل أحداثها الحلوة وحرارة المشاعر المخلصة الخدم يعملون.. يروحون ويجيئون، طفلها الصغير الذى رفضت أن تأتيه بمربية وسهرت على رعايته بنفسها حتى لا تحرم من رؤيته ولو لدقائق.. شريط حياته يمر أمام عينيها الآن منذ كان رضيعاً.. يكبر وينمو مع الأيام.. يحبو ويتعثر في نطق كلماته الأولى.. ضحكه وصراخه.. تبتسم ثم تعبس وهي تضم يديها تحتضن الفراغ.
زفرة أسى جديدة وآلام الحروق تمزق أعصاب الراقدة المستسلمة لقدرها، يمزقها أكثر إحساسها بالوحدة يسلمها إلى حالة من الاكتئاب والضياع، تحاول الهرب منها في رحلة زورقها يأخذها من جديد إلى بعيد.. تسمع رنين التليفون، زوجها إسماعيل يرفع السماعة ثم يضعها بعد مكالمة قصيرة مهرولاً إلى الخارج لنجدة مريض ولا يعود إلا بعد منتصف الليل منهكا يلقى بجسده المكدود فوق سريره.. الليل طويل.. ساعاته بطيئة ثقيلة شأن ساعات الوحدة والقلق.. السكون شامل يحيط بالمكان والزوج يغط في نومه، كما كانت وقتها في أشد حاجة إلى من تتحدث معه وتتغلب على الشعور بالخوف وتمد يدها لتوقظ اسماعيل لكنها تتراجع مشفقة عليه من المجهود ومجنبة نفسها ما يمكن أن يصدر عنه من رد فعل يضايقها نتيجة لإيقاظه فجأة ويصيبها بإحباط تنكمش على نفسها في النصف المخصص لها من سرير الزوجية تخنق رغبتها وتحاول النعاس.
إسماعيل كم كانت تحبه.. تحب وجهه الأسمر وعينيه الواسعتين تبلونهما العسلى، تطل روحه عليها بحنانها من خلالهما حانية وتضئ ابتسامته توجهه كلما نظر إليها بعطف وحنان.
إسماعيل تركها ومضى إلى المجهور.. لماذا رحل وهكذا فجأة كيف حدث هذا.. كيف فارقها بروحه وجسده معا تركها للوحدة القاتلة والضياع المدمر ولبى نداء ربه.
الزورق يواصل إبحاره.. يترفق به الموج حينا ً مداعبا مشفقا ثم لا يلبث أن يصارعه ثائراً هائجاً ليندفع بأقصى ما فيه من سرعة وقوة تتقاذفه الأمواج الآتية من بعيد من الشاطئ الآخر.. تتسارع أنفاس الراقدة في زورقها تبعا لأنفعالاتها لاهثة تتابع أحداث الماضى القريب.. البعيد.. تعيشها بروحها للمرة الثانية.
كان يوم الخميس الأول من يناير.. إنها لن تنساه أبداً.. كان عمر ابنها أحمد 3 سنوات.. يلهو ويلعب يروح ويغدو ويقفز هنا وهناك يملأ البيت حركة وحياة.. حمله والده يحتضنه ويقبله قبل أن يخرج إلى عمله، الطفل يتشبث بوالده.. يرفض أن يتركه ومحاولات يائسة بالإغراء والتهديد انتهت بانتزاعه بالقوة من بين أحضان أبيه حتى لا يتأخر عن موعد عمله.
يعلو صوت محرك سيارته (الفولكس) ثم ينخفض وهي تبتعد إلى الأبد.. كأنها التابوت ضم جثمان صاحبها الذى راح ضحية حادثة سيارة مجنونة أطاحت بسيارته وأودت بحياته الغالية ذلك الصباح الضبابى الممطر الحزين، وكان الحادث على الطريق الزراعى وقبل أن يصل إلى المستشفى الذى يعمل به بأمتار قليلة، وكن الموت أسبق أخذ إسماعيل وترك سائق السيارة الطائشة جريحاً.
وكان وقع صدمة وفاة زوجها فجأة أكبر من تحملها ترنحت تحت ضرباتها.. كيف وهو المملوء حيوية وفي ريعان الشباب ت.. يستسلم للموت ويتركها وابنه وحيدين، رفضت في بادئ الأمر استيعاب الحدث وأنكرته بكل وعيها وإدراكها، استبعدت أن يكون الموت انتزع أغلى حياة عاشت من أجلها، لم تصدق أن إسماعيل مات وفي عداد الأموات، أبت أن تعى أنه فارقها وولده إلى الأب، ابنه الذى تعلق به، أخذت تقنع نفسها أنه سافر إلى الخارج في مأمورية تعمل أو بعثة وسيعود مهما طال الزمن.. ستفاجأ به.. ترتمى في أحضانه تسند رأسها إلى صدره.. تشكو له مرارة الفراق وعذاب الانتظار والوحدة، تدفع بابنه الذى طال شوقه إليه.. تشعر بسعادة غامرة تملأ قلبها دفئاً عند وصولها إلى هذا الحد من شريط الذكريات، آه هؤلاء الملاعين كانوا يضحكون على.. يكذبون، يريدون إيهامى بأن زوجى مات.. إسماعيل لم يمت، إنه معى آراءه بعينى وألمسه بروحى إنه ينظر إلى يحدثنى أراه ويرانى.
والأيام تمر وكلها ذات طعم ومذاق مر لا يتغير، الشتاء عندى أصبح كالصيف.. الربيع هو الخريف فقد إسماعيل معه في رحلته الأبدية كل مشاعرى.. وترك لي البرودة والفراغ ومعهما الضياع الأبدى.
والأيام تمر وأحمد صغيرى يسألنى في براءة الأطفال: (بابا وحشنى.. هوه جاي إمتى.. عاوز أشوفه.. نسافر له يا ماما).
أضم أحمد إلى صدرى الحزين.. أحتضنه بقوة وإشفاق أدفن رأسى في صدره الصغير.. أحتمى بولدى من عذابى.. إنه قطعة من أبيه أشم فيه رائحته وأتلمس من خلاله القوة على مواصلة مسيرة الحياة القاسية ورحلة المجهول تنهمر دموعى التي أ؛اول أخفاءها عن الصغير وأنا أردد (إن شاء الله يا حبيبى حنسافر ونروح لبابا) ما أقسى الأيام وبرودة الوحدة.
دوامة الحياة تأخذنى، أصارعها وتصارعنى يكبر ابنى.. يصبح كل شيء لي، ضحكاته أجمل وأعذب موسيقى تسمعها أذناى، بكاؤه نكد الدنيا وتعاستها، أصبح أحمد وهو في السادسة من عمره أبى وأمى وزوجى وكل حياتى وعالمى الصغير المغلق في عزلة عن دنيا الأحياء.
وكان يوم دخول أحمد المدرسة لأول مرة أسعد يوم في حياتى... في الصباح جثوت تحت قدميه أضع فيهما الحذاء الجديد، ناولته حقيبة المدرسة وبداخلها (السندويتشات والشيكولاته) أعطيته مصروفه، كنت أحس إحساسا عميقا أن روح والده معنا في تلك اللحظة تطل علينا من الأبدية تشجعنى وتشد أزرى، ودعت أحمد عند الباب ومشاعر مبهمة تتفاعل في داخلى، هي مزيج من الحب والشفقة والخوف عليه، لم يخفف منها إلا علمى بأنه سيعود بعد ساعات ليملأ البيت، ظللت أنتظره خائفة.. أضع يدى على قلبى خشية أن يصيبه مكروه في أول يوم له بعيدا عنى إلى أن عاد.. كان صغيرا لا يتمكن من الوصول (إلى جرس الباب) فاكتفى ببضع طرقات، أسرعت أفتح له.. أتلقفه بين أحضانى وكلى لهفة أطمئن عليه أتحسس شعره الناعم تتدلى خصلة منه فوق جبينه المندى بالعرق تحسست الجسد الصغير زيادة في الاطمئنان وهو يحدثنى عن أول أيامه في المدرسة قال إنه سقط على الأرض وهو يلعب مع زملائه وجرحت يده.. صرخت فزعة أمسكت يده ورأيت بضعة خدوش، أسرعت إلى غرفة النوم أحضرت القطن والمطهر ونظفت الجرح كما كان يطلق عليه هو.
زفرة أسى ثالثة بينما الزورق سادر في طيات الماضى وأمواجه المتلاطمة، يقطع رحلته بي وبأيام عمرى.. ذكريات حية نابضة تعيدنى إلى ذلك الموقف وتجمد الزمن.. ما زلت أشعر بأنفاس ابنى الحارة والألم الذى رسم على وجهه البرئ تكشيرة ألم حينما ضغطت على الجرح لأنظفه وأطهره مع أنه كان خدوشا لا غير. وأضغط على جرح قلبى الذى يأبى أن يندمل كان قلبى يتمزق وحيدى اليتيم يشب محروما من حنان الأب، تقتلنى نظرات الحزن واليتم في عينيه.
الأعوام تمضى يمسك بعضها بعضا كحلقات في سلسلة وتأخذ معها من صحتى وقوتى، لكن يعزينى في نفس الوقت رؤية وحيدى أحمد وقد صار رجلا، أصبح شاباً يافعاً ناجحاً في دراسته، مجتهداً رزينا عاقلاً مثل والده المرحوم إسماعيل.. والتحق أحمد بكلية الهندسة.. يسهر الليالى زملاؤه في الكلية يحضرون إلى منزلنا يستذكرون معه ويراجعون المحاضرات، وكنت سعيدة بابنى وزملائه المجتهدين مثله كان كل واحد منهم يرسم لنفسه مستقبلا جاداً مضيئاً ومشرقاً.
وتحقق حلم عمرى أخيراً.. تخرج أحمد وأصبح مهندساً حصل على بكالوريوس الهندسة، كم شعرت ساعتها بالفخر والسعادة. بكيت كثيرا. احتضنت جسده الفارع النامى. وأنا أقول من بين دموعى (إننى كنت أود أن يعيش أبوك ليسعد معنا بهذه اللحظة) آه يا إسماعيل إن روحك معنا تشعر بفرحنا وتفرح بالباشمهندس أحمد، الذى سيعوضنى عما قاسيته من أيام صعبة وحياة قاسية، سيشترك معى في تحمل المسئولية، ولن يترك لي وحدى مهمة صنع القرار. الحمد لله أوشكت أن أتم رسالتى الحمد لله والشكر لله.
والتحق أحمد بمكتب هندسى لأحد أساتذته في الكلية وكان يعمل فترتين في اليوم صباحا وبعد الظهر تحملت غيابه صابرة، كنت أظل في انتظاره وأحرص على إعداد ما يحبه من ألوان الطعام وأحرص على راحته فهو وحيدى وكل حياتى، أظل قلقة عليه حتى يعود في المساء وإذا تأخر اتصل به تليفونيا ً لأطمئن عليه، وكان شعورى بالقلق عليه وهو شاب نفس الشعور عندما كان صغيرا بالمدرسة الابتدائية ولم يتغير أبداً، أترى كل الأمهات هكذا أم ترانى أختلف عنهن نظرا لظروفى ووفاة والده؟
توغل الزورق في بحر الذكريات لا يتوقف، فدعته الأمواج المتلاطمة على الجنوح إلى شاطئ موحش تصاعدت عنده زفرات الحزن والأسى ممزوجة بزفرة غضب حارة ترفض كل شيء في محاولة للتمرد وهي تتقلب من جنب لآخر فوق سرير المستشفى قائلة في استسلام ويأس لا شيء يهم، لم يعد هناك ما يستحق المحاولة والقتال من أجله.
وتتوقف عايدة عند حدث معين.. ليلة زفاف وحيدها أحمد على زميلته المهندسة سمر. تلك الليلة الباردة الموحشة بالنسبة لها، لقد وافقت على زواجه مرغمة. وافقت بشعور الموظف المحال إلى المعاش حين يدخل مكتبه لآخر مرة يجمع أوراقه ويترك مكانه للقادم بعده ليحتل منصبه، العروس في ثوب الزفاف الأبيض الرائع والموسيقى تصدح في جنبات البيت الكبير الذى ارتدى حلة العرس من زينة وأضواء وورود وحياة وحركة ومهنئين، والكل يبتسم في سعادة ويتمنى للعروسين الرفاء والبنين.. إلا أ،ا كنت فريسة لشعور غريب لا أقدر على وصفه الآن تسوى أنى كنت أهوى في ظلمات وغياهب من حالق إلى قاع بئر لا قرار له وأسقط على أم رأسى في فراغ لا نهائى يحوطه الظلام.. جاهدة حاولت التغلب على هذا الشعور وأقاومه.. لم أستطع، كان حبى لابنى يقف حائلا بينى وبين فرحة زواجه، وخوفى من التي جاءت لتأخذه منى وتصبح سيدة البيت.
انسحبت إلى غرفتى.. أجرجر ساقى جراً، أشعر بإختناق وغصة في حلقى كأن طرحة العروس البيضاء حبل مشنقة يلتف حول عنقى ويضغط بعنف ليزهق روحى، تكومت تفوق سريرى كجذع شجرة أجوف انتزعت منه الحياة حاولت البكاء أستجدى الدموع لتخفف من غليان أعصابى ودمى.. لماذا تزوج ابنى سريعا. هل سيتركنى فريسة للوحدة والضياع، أتقلب في فراشى والنار تأكلنى.. وكانت ليلة زفاف ابنى أسوأ ليلة في حياتى.
أصابع الضوء تمتد تعبر النافذة المغلقة تزيح ستائر الظلمة الموحشة، الصمت ثقيل والوحدة أثقل، شعورى بأن ابنى سيعطى كل حبه وحنانه وحياته لعروسه الوافدة الجديدة، زاد من سخطى عليها وكراهيتى لها، إن الطفل يثور ويبكى إذا حرمته من لعبته، وأنا تالأم التي ضحت بشبابها وحياتها وأفنت ذاتها في فلذة كبدها تحميه طفلا وترعاه شابا ثم كهذا، وفجأة تأتى تلك الدخيلة علينا لتشاركنى فيه بل تأخذه.. أي ظلم هذا وأي عذاب! تصارعت في داخلى مشاعر شتى وسقطت تفريسة لحالة اكتئاب حبستنى داخل غرفتى.
أدرك ابنى وعروسه ما أصابنى من وجوم وصمت وحاول هو التخفيف عنى وهو يعلم مدى وقع زواجه على قال إنه تزوج ليريحنى من أعباء إدارة البيت ويحضر من تشاركنا الحياة فيه وتملأ علينا وحدتنا، قال إن عروسه سمر تحبنى كأمها وتشكو من تجاهلى لها، وأخذ يرجونى أن أتصرف معها بأعصاب هادئة وأن أعمالها بلطف كابنة لي.
وحاولت ولكنى لم أستطع وفشلت في التحكم في أعصاب وتصرفاتى مع زوجة ابنى ورغبتى في إرضائه بقبول الأمر الواقع والتأقلم مع وجود امرأة غيرى في حياته، ونتيجة للصراعات النفسية في داخلى سقطت فريسة للمرض وزاد من حدته شعورى بأنى صرت وحدى بعد أن تزوج وحيدى ولم يعد لوجودى أي معنى وقال الأطباء إنها حالة نفسية.
وكنت ألمح نظرات القلق والخوف في عينى أحمد وهو يراقبنى خلسة ويبذل جهده في التوفيق بينى وبين عروسه المهندسة الشابة وأن يعدل في المعاملة بيننا وتقريب وجهات النظر، وفي محاولة منه لإرضائى أقترح أن أصحبه في رحلة مع عروسه إلى الخارج في أجازته السنوية وقال إنها فرصة لإراحة أعصابى وتغيير الجو والتعرف على زوجته أكثر، رفضت العرض وصممت على عدم السفر معهما والبقاء وحدى في بيتنا الكبير، وسافر العروسان.
وبقيت وحدى، عزلة موحشة وبرودة كئيبة وصمت مطبق تطل كلها من جدران البيت الغارق في السكون الذى تحول إلى سجن أصبحت وحدى بداخله السجينة والسجان، أرقد في زنزانتى على سرير المرض.. أتألم.. أحلق في فضاء لا نهائى الآن فقط مات زوجى إسماعيل... تركنى وسافر، رفض أن يأخذنى معه في رحلته الأبدية، لقد مات إسماعيل لحظة أن سافر ابنى أحمد مع عروسه وبقيت وحيدة حزينة مقهورة، أرقد مريضة مغلوبة فريسة للضياع والهزيمة، أجلد ذاتى وأبكى على اللبن المسكوب وأيام حياتى التي تسربت من بين يدى في عجلة وهروب.
ودعنى ابنى قبل رحيله.. قبّلنى في جبينى وقبّل رأسى ويدى.. وطلب دعواتى له ولعروسه.. دعوت لهما بالسعادة ودموع لا أدرى نوعها تغمر وجهى وتحجب عنى رؤيته وهو يستدير خارجا وسيطر على شعور غامض ملح بأنى لن أرى ابنى ثانية.
وهأنذه أرق وحيدة غائبة عن الوعى فوق سرير بقسم الحروق بالمستشفى الاستثمارى الكبير، نقلنى جيرانى بعد الحادث الذى تعرضت له بسبب انفجار أنبوبة الغاز واشتعال النار في المطبخ.. الإصابة شديدة والصدمة العصبية زادت من خطورة الحروق التي أصابت مساحة كبيرة من جسمى. وحاول الأطباء علاجى لكن حالتى الصحية والشيخوخة والاستسلام وعدم الرغبة في الشفاء حالت دون استجابتى للعلاج ولم تفلح الأدوية المسكنة في تخفيف الآلام المبرحة التي تهاجمنى في وحشية ليل نهار.. ولا أمل في شفاء أو راحة بعد الآن.
أطبقت جفنى مغمضة العينين لأهرب من الألم النفسى والبدنى، وجدت نفسى أنسحب إلى الداخل يغمرنى هدوء عجيب وتلفنى سكينة يختفى معهما شعورى بالألم والعذاب لتحل محلهما سعادة تغمرنى وتسيطر على روحى فلم أعد وحدى في الغرفة إسماعيل زوجى يقف أمامى مبتسما، ألمح نظرة إشفاق وتشجيع في عينيه الحانيتين، يقترب منى يمسك بيدى مددت له يدى الأخرى. يمسك بكلتا اليدين مترفقا، أغادر سريرى أهذب معه.. يأخذنى ونسير معا إلى حيث الأبدية والراحة والحياة الحقيقية. ليتوقف زورقى مختتما رحلته عبر الماضى والحاضر أيضا.