تغريبة الزمان!
هـــذا زمـــان القـــرود فاخضـــع
وكـــن لهـــم سامعـــا مطيعـــا
سرحت هند طويلا مع شعر أبى نواس وهي تراه ينطبق تماما على حالتها وما صارت إليه فقد أصبحت غريبة منعزلة من الواقع.. تغير كل شيء حولها وبسرعة مذهلة تشبه سرعة الصاروخ المندفع بعيداً في أجواء الفضاء متجها إلى أي مكان من كواكب السماء.. أيها لا يهم بعد أن أصبح الفضاء ذلك اللامجهول وغزت عقول البشر غوامض الكون وعوالم كان من المستحيل تصديق الوصول إليها وفك شفرتها..إذا كان هذا في الماضى أغرب من الخيال.
وهند على مشارف الخمسين من عمرها.. يفصلها جدار عازل عن المجتمع ويحيطها سياج يحجبها عن الناس..آثرت العزلة بإرادتها المنفردة.. واغتربت لتحتمى بداخلها من صراعات ودوامات تجذبها إلى الأعماق وهي ترفض أن تستسلم.. ولا تريد أن تغرق أصبح كل شيء حولها غريبا.. الناس والأحداث ودورة الزمن بأيامه وأعوامه.. وحتى أقرب الأقرباء كانوا ينظرون إليها نظرات دهشة وتعجب.. كانت تشعر مع نظراتهم المتسائلة المتعجبة أنها وافدة من كوكب آخر وعالم مختلف. جاءت عبر زمن مضى وانتقضى واندثرت معالمه في غيابات القديم.
وتطل هند من عالمها الغريب.. تخترق جدار العزلة ترى ما حدث ويحدث حولها.تندهش تنفعل. إن ما حدث هو انقلاب في كل شيء في الموازين والمعايير ومقاييس الأمور.ز صخب وضجيج وإيقاع مجنون الناس تقفز ولا تمشي.. تشابهت الوجوه تعلوها تعبيرات غامضة وانفعالات مبهمة. كأن الناس جميعاً مصبوبون في قالب واحد.. تحولوا إلى أجهزة كمبيوتر مبرمجة. وتحول البشر إلى آلات متشابهة.. توجهاتهم محكومة بالمعلومات التي تم تخزينها في ذاكرة الجهاز وعلى ضوئها يتصرفون. أما علاقاتهم الشخصية والاجتماعية فتحددها لهم ذاكرة الكمبيوتر أيضا.. يأكلون ويشربون، ويتزوجون وينامون ويستيقظون وفقا لبرنامج مرسوم بدقة وحساب. أرقام. أرقام. أرقام وتحول الإنسان إلى آلة مبرمجة في الزمن العجيب.
تنهدت هند.. هزت رأسها في دهشة عندما توصلت باقتناعها إلى هذه النقطة الرئيسية وهي تفسر ما صارت إليه من غربة وانطواء وعزلة بنت الجدار السميك الفاصل بينها وبين مجتمع المتناقضات والعجب والذى ترفض لا شعوريا أن تنتمى إلى عالمه بصخبه وضجيجه ومعاييره المغلوتة. والانقلاب الذى أصاب وغير كل شيء.. حتى الأطفال تغيرت مفاهيمهم كذلك، أصبحوا يقيسون مجتمعهم بمقياس المادة والأرقام، بما توفره لهم الأسرة من وسائل الراحة والترفيه.. تليفزيون ملون، فيديو.. كمبيوتر أتارى وغيرها وغيرها حتى الحب ذلك الشعور المقدس ارتبط في عقول الصغار بمصالحهم الشخصية أحب أمى وأبى بمقدار ما يقدمانه لي من منفعة أما صاحبى فتعاملى معه أخذا وعطاء، وأصبحت الحياة التزاما على الآباء، ليس التزاماً أدبياً فقط بل حوله الأبناء إلى التزام حتمى وواجب، يعطى الآباء ولا يأخذون ويأكلون الحصرم رغما عنهم لا ليفترس الأبناء ولكن ليعيشوا وأصبح الالتزام فرضا واجباً أن يأخذ الابن أو البنت كل شيء تحت شعار (جئتم بنا إلى الدنيا رغما عنا ويجب عليكم أن تتحملوا وجودنا وتبعاته).
أخذت تربط بين أفكارها التي صنعت منها عزلتها وتقوقعها على ذاتها، وسرحت بعيداً بعيداً تستعيد ماضيها ذلك الماضى الرومانسى الحالم المبنى على قيم أصيلة تستمد نقاءها ونصاعتها من مجتمع أسرى متماسك ينتمى إلى جذوره الضاربة في العراقة والأصالة والحب النقى والتعاطف. مجتمع الجمال والأمن والطمأنينة.. إذا شكا منه عضو تداعى له سائر الجسد.. يوم كانت الأسرة لا تنام الليل إذا جاء خبر عن عمة أو خالة مريضة أو خال أو ابن عم عنده مشكلة تهدده كأزمة مالية مثلا. أو خلاف حدث بين زوجين من الأقارب يهدد بانفصال وطلاق ينقضى الليل وفي مطلع فجر جديد يحمل القطار أصول الأسرة وكبارها إلى المكان الذى حدثت فيه المشكلة ويعود القطار بكبار العائلة بعد أن قاموا بواجبهم وحلوا المشكلة، ولم يتهمهم أحد بأنهم تطفلوا وفرضوا أنفسهم وتدخلوا فيما لا يعنيهم كما يحدث الآن في مجتمع الزيف والقشور.
وكانت هند ترى أمامها تلك الأوضصاع الخاطئة والموازين المقلوبة والتصرفات اللامعقولة تحدث وتهدد
كيان أسرتها ولا تستطيع أن تعترض أو تدلى بدلوها في البئر العميق بئر الظلمات فقد كان محظورا عليها أن تتدخل حتى بمجرد الرأى والمشورة أو إسداء النصحية وكأنها من العصور الوسطى ومظاهر التخلف والرجعية لقد حاصرها الخبثاء وضيقوا عليها الخناق وسجنوها بمؤامراتهم داخل ذاتها فرارا من جحيم المعاناة والموت البطئ.
وأصبحت هند غريبة في زمان ليس من الغريب أن يحدث في أيامه كل ما يحدث من الغرايب والأوضاع المقلوبة.
لقد بدأت معاناتها منذ ربع قرن على التحديد. مع بداية التحول والاهتزازات التي أصابت كيان المجتمع ونخرت فيه كالسلوس في الخشب مع بداية التمزق والتفكك. نساء مطلقات ونساء متزوجات وبين بين يقتحمن عالمها في صورة علاقات عاطفية محروقة مع الزوج رب الأسرة، علاقات تستمر طويلاً أو قليلا حسب ظروف وقوة أو ضعف كل منها ولكنها كانت زلازل وبراكين تزلزل كيانها النفسى وتدمر أعصابها هزات عنيفة وصدمات نفسية قاسية مرجعها الخوف الشديد أن تحتل مكانها أخرى من النوع الردئ... تكون زوجة أب لأولادها الأبرياء تحرمهم من طفولتهم البريئة وتذيقهم العذاب أولانا تحطم براءتهم وتتشفى من غربتهم وافتقادهم لمنبع العطاء للأم والأمان بين أحضانها الدافئة.
لم يكن خوف هند على نفسها أبداً بقدر ما كانت تخشى وتموت كمداً أن تتسبب عديمات الضمير والأدب في تحطيم الصغار وتشريدهم نتيجة لتصرفات أب يعيش متعته ويلهو مع ساكنات قاع المجتمع العاريات عن القيم والمبادئ والخوف من الله.
وتحملت كثير وكثيراً فوق طاقة البشر والفارس المغامر يمضى في طريق أعوج ليله نهار ونهاره ليل سهرات حمراء فرسانها أصدقاء وصديقات السوء موائد القمار وجلسات الكيف والمجون والعبث.
ويعود إلى بيته بعد أن يخرج أولاده إلى مدارسهم ليلقى بجسده على سيريره جثة هامدة، ينام طوال النهار في محاولة لاكتساب أكبر قدر من الراحة استعداداً لسهرة أخرى حمراء.
إن الخوف حول هند إلى كائن عجيب، إلى امرأة من نوع جديد.. وزودها بقوة هائلة وإصرار وإرادة تحولت إلى مارد جبار وإلى عملاق. عندها استعداد لمحاربة كل من يهدد أطفالها في مستقبلهم أو يمس شعرة واحدة من رءوسهم الصغيرة.. ولكنها دفعت ثمن هذا التحول غالبا من رصيدها العصبى.
ويمضى قطار الحياة، عربة تجرّ عربة.. تتشابك الأحداث على مسرح يستقبل كل يوم وجوهاً جديدة تؤدى دورها في ملهاة الفجور والابتذال ودائما ما تنتهى بنفس الخاتمة تدور وقائعها في حيز من زمان ومكن بين القاهرة والإسكندرية وعلى شاطئ البحر وفي المنصورة والمحلة ومع اختلاف بسيط في الواقع والتفاصيل.. لم يكن ليغّير من معالم القصة. ولم تكن هند تعرف أبداً من البادئ بترك صاحبه.. البطل أم البطلة؟
وكانت تدرك بفراستها أن الستار نزل على كلمة النهاية في التمثيلية وتتيقن أن زوجها سرعان ما عثر على رصيد جديد من الباحثات عن المتعة ويخوض معركته الغرامية.. وكانت حين ترفع سماعة التليفون لترد على المكالمة تفاجأ بأنها تغلق بعنف أو تقول المتحدثة إن (النمرة غلط) أو أنها تريد اسماً آخر. وكانت هند تعرف على الفور أن فارة جديدة دخلت مصيدة الغرام.
وكانت أمه طنط بهيجة تقول (بيرجع بيته وينام فيه اتركيه يعمل اللى عاوزه) هكذا وبمنتهى البساطة بينما نظرات الشماتة والتشفى في عيون أخواته البنات، كن يتلذذن بآلامها ومعاناتها مع أخيهم ويتندرن بما يحدث لها ولأولادها في سهرات الصيف بالإسكندرية. وزاد هذا من إصرارها على التماسك ومواصلة مسيرة التحدى والمقاومة المستميتة، ورعاية أطفالها والابتعاد بهم عن أجواء العبث والمجون وهمزات وغمزات الجدة بهيجة والعمات والأعمام كذلك.
يا قطار العمر ومحطات حياتى، كانت رحلتك معى على مدى 25 عاما، مأساة وأي مأساة.. خوف من المجهول، قلق يحرق الأعصاب، كبرياء تنزف الدماء، أنوثة جريحة مريضة فقدت العون والثقة في ربيع الشباب.. إشفاق وحزن من أهالى وصديقاتى وشماتة وفرح من أهله وصديقاته. أي عذاب هذا وأي شقاء.
لقد تحملت يا هند فوق ما يحمل البشر.. قالت لنفسها وهي تستعيد ذكريات عذاب عمره الآن ربع قرن العذاب الذى شب وترعرع في أحضان مأساة زواج أعرج بساق واحدة.. وكانت تصرفات الزوج حصاد أسرة مفككة لا تهتم بقيم أو مبادئ يعيش كل فرد فيها حياته على هواه شطبوا من قاموس حياتهم وتعاملهم كلمة اسمها العيب.. وفقد الرباط المقدس في محيطهم قدسيته. ولا مانع من تجديد شبابهم بدماء جديدة ومغامرات محروقة وفروسية كاذبة وفرد عضلات في قصور الحريم وسهرات الكيف.
وعلى النقيض كانت أسرة هند. تقاليدها ومبادئها مستمدة من الدين الحنيف والشريعة السمحاء. رجالها يقدسون كلمة اسمها الشرف ويتعاملون من منطلق ما يرضى الله سبحانه وتعالى ويبتعدون عن نواهيه، يعملون الصح ولا يخطئون في حق نسائهم ولا يعرفغ أحدهم غير زوجته امرأة أخرى ولا يعيش إلا لبيته وأولاده، يرييهم على المبادئ والحب والخوف من الخالق.
25 عاما يا قطارى.. تقف بي على محطات عديدة.. في كل منها أقابل عجائب وغرائب. أكل من نافذتك على كل أنثى يفضلها زوجها عليها.. ويفضلها زوجى أنا على، أتحدث معها أتفحصها جيدا، أدخل أعماقها فلا أجد إلا النفس المظلمة وهذا المظهر البراق يخفى بداخله نفسا شريرة تهوى العبث بمقدرات الطيبين.
وهذه الرأس يعلوها شعر أصفر مصبوغ بداخلها لا شيء.. خواء وفراغ وخطوط تشير إلى أن ما كان يوجد داخل عظام الجمجمة من مخ تلاشى واندثر. الأمن مركز تتكاثر بداخله خلايا من اصطياد الرجال.. فن المعابثة وحياة اللهو والضياع.
أتأمل وأتعجب.. هذه المرأة التي يعشقها زوجى وتهدد علاقتها به مستقبل أسرة وكيانها، ماذا يميزها؟ أعترف أن هذا السؤال ظل يلح على حتى الآن يطاردنى ويتكرر ويفرض نفسه في كل دقيقة وثانية. نانا وميمى وسوسو وماجدة وسعاد.. و.. و.. إنهن كثيرات.. كثيرات جدا يا هند. ويأخذ العجب ليلة أن عاد زوجك وكانت ليلة صيف رقت نسائمها وصفت سماؤها وتناثرت نجومها على صفحة السماء لامعة براقة، وجلس يتناول العشاء وعلى وجهه تفاعلت مشاعر جذبته بعيدا، ظل صامتا يشبع معدته بطريقة آلية.. أفكاره تحمله إلى الخارج وجوده إلى هناك، كان يحلق في المجهول وقد جلس في الشرفة وبيده كوب الشاى عندما ناداك يا هند وطلب منك الجلوس بجواره،وكان من الواضح أنه يريد أن يفرغ أثقاله التي ينوء بحملها وأدركت هذا بذكائك اللماح وجلست مترقبة. تنهد وأشعل سيجارة ينفث دخانها المتصاعد في حلقات ليمهد للحديث وقال: الرجل النصاب وزوجته اللعوب قلت: أي رجل؟ قال: محي وزوجته سعاد.. كانت تعاكسنى وتأتى إلى مكتبى كثيراً بحجة قضية لزوجها، ولم تمانع حين دعوتها وزوجها وأولادها لقضاء بعض أيام الصيف، وهناك طلبت منها أن تأتى إلى غرفتى بعد أن ينام زوجها. وظللت ساهرا أنتظرها يحرق الانتظار أعصابى، وأفسر كل حركة في الغرفة المجاورة على أنا ستنهض من جوار زوجها وتأتى إلى في لهفة وشوق لترتمى في أحضانى كما وعدتنى، ولكن مضت ساعات الليل بطيئة وثقيلة وضاعت ليلة ثمينة كنت أمنى النفس فيها بقضاء وقت ممتع دافئ. وعلى شاطئ البحر حين ابتعد زوجها بأولاده ليشترى لهم آيس كريم نظرت إليها غاضبا وسألتها في غيظ: لماذا لم تحضرى حسب الاتفاق؟ ضحكت في مجون وتدلل لتغيظنى وتثير أعصابى وأجابت في ميوعة: المحامى يذهب للقضية أم القضية هي التي تحضر للمحامى.. وأوشكت أن أنفجر فيها لولا أن اقترب أحد أولادها يلعق بسكوتة الآيس كريم ويلحق به أخوه.. وكتمت غيظى.. لقد صرفت عليها نقوداً كثيرة وندمت الآن. فقطعت أجازتى وطلبت منهم العودة معى وأوصلتهم إلى بيتهم وعدت الآن.. ولم أتكلم.. كنت أستمع فقط.. ولم تكن سعاد هي القضية، كانت القضية في زمن الغرائب والعجائب. وسافرت في قطاره رحلة عمرى واغتربت فيه سنوات شبابى حتى أصبحت غريبة منزوعة الهوية في زمن فقد هويته هو الآخر وأصبح زمن سعاد والقضية.