سيدة الأتوبيس
كان الصباح شديد البرودة. السماء ملبدة بالغيوم. المطر ينهمر بغزارة لا يتوقف. في دقائق تحولت شوارع المدينة إلى برك. رخات المطر تتابع، قرص الشمس يختفى خلف ستائر الضباب هبات الريح تدفع السحب الرمادية الداكنة لتصطدم ببعضها محدثة دويا مرعبا ويضرب بعضها البعض في جنون. مطر ورعد وبرق ولسعات ثلجية تنفذ عبر الملابس الثقيلة لتخترق العظام، إنه يوم أسفر صباحه عن غضب الطبيعة وثورتها.
ولكن أحدث هذا الصباح القارس البرودة لم تمنع الكتل البشرية من تدافعها تخرج من بيوتها إلى الطرقات.. في سباق محموم.. الكل يركض ويلهث.. يخوض في الماء الموحل تحت قدميه وتنهمر الأمطار الغزيرة فوق رأسه.
يتحول السباق المحمول بين كتلة البشر إلى فوضى وزحام وتكدس في موقف الأتوبيس الذى يتأخر عن موعده وتأتى سيارة فيهرع الواقفون للحاق بمقعد داخلها.. يتشاجرون ويتدافعون بالأيدى والمناكب قبل أن ينجحوا في الوصول إلى الباب الأمامى وتتطلق الصيحات الغاضبة والشتائم واللعنات وصراخ الأطفال المذعورين الذين ألقت بهم أقدارهم في مصيدة الزحام الخانق والسباق المجنون.
وتتأهب علبة السردين للانطلاق.. بعد أن أصم السائق أذنيه عن توسلات الذين لم تمكنهم لياقتهم البدنية من القفز فوق أكداس الركاب واللحاق بالأتوبيس. يسقط عجوز كان يتشبث بالباب مع تحرك السيارة وسط بركة المياه، فشلت محاولته اليائسة (للتشعلق) ولم يرحم السائق الأرعن شيخوخته وتركه ينعى حظه وملابسه التي صبغها الوحل بلونه الأسود. اسرع شاب لنجدة الشيخ، ساعده على النهوض وقف حزيناً مهموماً يزيح ما علق من آثار السقطة (ببذلته) العتيقة.
الوقت يمضى والضجيج لا ينقطع، يشتد الزحام بالمواقف. كتلة بشرية جديدة تأتى. رجال ونساء معهن أطفالهن، كلهم في انتظار الأتوبيس ولكنه لا يأتى.. ويطول الانتظار ويفرغ الصبر وتكثر التعليقات ويتبادل الواقفون الحديث عن المعاناة والعذاب اليومى الذى يتعرضون له كل يوم وهم في طريقهم إلى أعمالهم وعودتهم إلى بيوتهم ويتطرق الحديث والشكوى إلى الإنسان الذى ليس له ثمن ولم تعد له قيمة، وهو يتعرض لكل ألوان الهوان والإهمال ويتعرض للعقاب وتوقيع الجزاءات حين يتأخر عن موعده الصباحى الذى يصل إلى أكثر من ساعة في أوقات الطوارئ كالمطر وتعطل سيارات الأتوبيس وتأخرها بسبب الزحام فالرئيس لا يقبل أعذار الموظف ولا يعترف بأزمة المواصلات حتى في أيام الشتاء والأمطار التي تتحول إلى سيول.
ويتوقف المطر كأنما يلتقط أنفاسه.. وينتهز قرص الشمس الفرصة ليتسلل من بين فرجات السحاب المتراكم ويلوح وجهه الأصفر الشاحب كوجه المريض في دور النقاهة خرج يتريض بناء على أمر الطبيب، ولكنه يختفى سريعا تحت رداء الغيمات الداكنة ومن خلالها تتفتح أبواب السماء عن وابل.. بينما يسرع الواقفون في محاولة للاحتماء من السيل المنهمر بلا انقطاع.
وكطوق النجاة لاحت على البعد إحدى سيارات الأتوبيس وقبل أن تصل إلى الموقف هرول الركاب في فوضى يتدافعون للوصول إلى البابين مخاطرين بأرواحهم، وكان من حسن حظ السيدة الشابة أن تجد لقدمها موضعاً داخل السيارة وبعد أ، دفعتها الموجة البشرية تلقائيا وجدت نفسها واقفة بين المقاعد.. لا يهم أن تجلس المهم أن تصل إلى عملها في الموعد ولا تتأخر.
وكان الزحام شديداً ولا يطاق.. الهواء راكدا والتكدس الرهيب يكتم الأنفاس والمشاجرات بين الركاب لأتفه الأسباب تسفر عن أفذع الشتائم وأحط السباب فالأعصاب مشحونة نتيجة لتأخر الأتوبيس وللظروف المناخية القاسية والمعاناة في الانتظار.
وتواصل السيارة رحلتها.. والكتلة البشرية بداخلها وتحولت إلى سردين معلب.. التكدس مهين لكرامة النساء الواقفات.. ولا رحمة أو شفقة على سيدة أو فتاة أو كهل تطوح بهم المطبّات وسرعة السائق يميناً ويساراً.. وكانت السيدة ضمن الوقوف تجتر خواطرها في غيظ تمسك حقيبتها بيد وبالأخرى تحاول حفظ توازنها بالتشبث بحديد المقعد المجاور لمكان وقوفها.. تحاصرها أكوام من اللحم من الأمام والخلف، تعوقها عن الحركة وتخنق أنفاسها. تتلفت يميناً ويساراً تعكس نظراتها قلقا وغيظاً مكتوما.. ما هذا وما الذى غير الناس؟ والشباب بالذات.. إنهم يجلسون ولا مبالاة بينما النساء (والعواجيز) يتخبطون في مهانة مع كل هزة أو وقفة مفاجئة للأتوبيس، ووسط كل هذا الزحام أخرج شاب سعيد الحظ من الجالسين إحدى الصحف من حقيبته ويقرأ غير مبال بما يحدث حوله من فوضى وزحام ولا بآلام الآخرين.
المد البشرى ينحسر قليلا وتحدث ثغرة وانفراجة حول السيدة تلتقط أنفاسها تحرك قدميها وتعدل وقفتها.. لكن فجأة تضيق الفجوة ثانية وتتلاحم الثغرة بموجة جديدة تدافعت داخل علبة السردين، وتفاجأ السيدة الواقفة تعانى بمن يلتقص بها من الخلف متعمدا تحاول الهروب.. لكن إلى أين.. تتكرر المحاولة تنظر خلفها في غضب وضيق لتجد شاباً صفيقا متين البنيان يشيح بوجهه عنها وكأن شيئاً لم يكن الحياء يمنعها من الصراخ أو الشكوى. تحاول الابتعاد عنه لتتجنب وضاعته ومضايقاته. تلتصق أكثر بالمقعد الذى يقف بجواره.. ويشغله الشاب الذى يقرأ الصحيفة. نظرا إليها.. أخيراً جاء الفرج سيترك لها مقعدة وينقذها.. لكنه يعاود القراءة في صحيفته.. والسيارة في طريقها ولا تزال محطات عديدة قبل أن تصل لنهاية الخط.