صاحب ميمون
يتشقلب ميمون في الهواء.. يعجن عجين الفلاحة يضرب للأستاذ السلام، ينام نومة العازب يطيع ميمون الأوامر.. يلعب وعينه لا تفارق وجه صاحبه ولا العصا في يده، لأنه يعلم أن العصا سيف على رقبته إذا عصى أو تباطأ أو خالف أمراً.
وكانت عينا ميمون دائماً على وجه صاحبه حتى وهو ينفذ الأمر الصادر إليه ذلك الوجه الأسمر المكتز الذى يشبه ثمرة الباذنجان الرومى، وعينا ميمون هما جهاز الرادار الذى يرصد أي تحركات مريبة للعدو وقد كان.
وذات يوم هبت رياح حارة مصدرها صحراء شرقية مجدبة مجاورة سكانها في طريقهم لتحويلها إلى واد أخضر ينبض بالحياة ويودع الجفاف، فقد كانت هناك مفاوضات ومناوشات بين ساكنى تلك الصحراء وصاحب ميمون لتتحول الأرض المقفرة إلى جنة وارفة ومضى رادار ميمون يسجل التحركات المريبة لكل من الطرفين.
والحلقة تضيق يوما بعد يوم حول رقبة ميمون.. تحكمها أصابع مارد أسود عملاق.. يضغط ويشدد الضغط في محاولة شيطانية لاستنزاف كل قطرة دم يضخها قلب ذلك المخلوق الهادئ الوديع ميمون أو عطيات زوجة المعلم سيد وأم أولاده الثلاثة.
والمعلم سيد عكاشة هو صاحب ورشة السمكرة التي تقع في نهاية شارعنا المكتظ المزدحم بسكانه كتل من اللحم البشرى تلفظها أبواب البيوت القديمة المتداعية كل صباح وتستقبلها كل مساء. ويلعب أطفاله الحجلة والنحلة في النهار، وفي الليل يغنون في كورس جماعى وإيقاع منتظم: بريلا.. بريلا.. بريليلا عاوزين أيه إلخ.. ويا بنات الحور سيبوا القمر دا القمر مخنوق ومعندناش خبر.. وكانت ألعابهم لا تخرج عن هذه الدائرة ليلا أو نهاراً. وكنت أغنية يا بنات الحور مصحوبة بموسيقى صاخبة على دقات أغطية الحلل والصوانى في حالة ما إذا كان القمر (مخنوقا) فعلاً وفي حالة خسوف.. وكان الصغار لا يعرفون طريق منازلهم إلا بعد أن تزقزق عصافير معداتهم تطلب الطعام فيهرولون تحملهم سيقانهم الرفيعة كأنها أعواد الذرة الجافة عائدين.
عجلة القيادة تدور سريعة حينا بطيئة أحياناً بكل أحداثها الحلوة والمرة على ساكنى شارعنا الذى يعج بالحركة ولا يهدأ ليلاً أو نهاراً وضجيج ورشة السمكرة والسيارات التي يأتى بها أصحابها لإصلاح ما أفسدته الحوادث والمصادمات المرورية فتتبعج أو تنفصل عنها بعض أجزائها نتيجة لجنون السرعة والرعونة.
ومع الانفتاح والتغيرات التي أصابت المجتمع (لعبت البلية) مع المعلم سيد وأصبحت ورشة السمكرة منجماً للذهب وعرف الثراء طريقه إليه فهو (يلعب بالفلوس لعب).. قفز دخله اليومى إلى رقم خيالى لم يصدقه هو في بادئ الأمر وقال جيرانه: سبحان الله يرزق من يشاء) الرقم يزيد يوما عن يوم والنقود تتكدس لديه.. ودخل التليفزيون الملون والفيديو عالمه وأخيراً سيارة فارهة آخر موديل.
ومع ظهور النعمة وآثارها عليه كان لزاماً أن يغير اسلوب حياته وينسلخ من جلده ليؤكد لنفسه أنه ولد من جديد ومن حقه أن يمتمتع بماله ويعوض ما فاته والحرمان الذى فرضه عليه الفقر في مطلع شبابه، وكانت الأفكار تتجاذبه وتلح عليه بينما يراقب صبيانه وهم يعملون في سمكرة الرفارف وغيرها من أجزاء السيارات التي تركها أصحابها أمانة بين يديه ليعيدها إلى حالتها الأولى إن أمكن.
وأفرغ المعلم شحنة القلق والتوتر في صبيانه أخذ يعنف هذا ويصرخ في زميله منذراً بالويل والثبور وعظائم الأمور وقطع العيش لمن يقصر أو يتهاون، وتمتد يده تلقائياً تسوى شاربه الكث وراح يختلس النظرات إلى نافذة بعينها لا تزال مغلقة على غير العادة في هذا الوقت المتأخر من الصباح.
نيرات القلق ومرارة الانتظار والترقب تنذر بأن الأمور لا تسير على ما يرام وغلق النافذة علامة ذات مغزى ومدلول خطير، هل جد جديد؟ هل ظهر منافس يتفوق عليه ويفوقه في الثراء؟؟
نظر في ساعة يده الثمينة وكرر النظر وعلى وجهه الأسمر لاحت سحابة خوف وغيظ، هل يوشك الصيد أن يتخلص من الشباك؟ إن الوقت لم يعد في صالحه والعمر يفر منه ويريد أن يتشبث بآخر عربة في القطار السريع بعد أن داهمه الخريف.
وكانت العربة الأخيرة في قطار أحلام المعلم سيد تختفى خلف شيش النافذة المغلقة.. رفع كوب الشاى إلى فمه يرتشف منه رشفات متمهلة، ولم يكن يشعر بطعمه مع أنه كان يفضله ثقيلا وسكره زيادة فقد كان تفكيره وعقله وقلبه وكيانه كله محصورا فيما وراء النافذة ولغز إغلاقها على غير المعتاد، فالساعة تقترب من العاشرة ولم يتعود من ساكنة الجنة الموعودة أن تغلقها فقي وجهه حتى الآن.. ألا ليته يعرف السبب.
وزفر زفرة من أعماقه وأعاد كوب الشاى فارغاً إلى الصينية ونظراته ما زالت مركزة على الشيش ذى اللون الأخضر والسر الذى يختفى وراءه.. الصبر ينفد والنار تتقد في جوانح العاشق والعربة الأخيرة تعانده وترفض أن تفتح له باباً إلى الجنة إلا إذا كان معه جواز المرور الشرعى.
كانت نار العشق تكوى قلبه والانتظار والقلق من المجهول كلها عوامل تحرق أعصابه وتصيبه بتوتر ينعكس على تصرفاته وإدارة شئون الورشة ذلك الصباح وعند هذه النقطة أدرك المعلن سيد تماما استحالة الحياة ولو ليوم واحد بعيدا عن مالكة قلبه وروحه وعقله!!! واستقر تفكيره على الحل المناسب وشعر براحة نفسية أعقبتها زفرة وزغرد قلبه المجنون بعشق جارته ووجد نفسه يهتف: وجدتها.. وجدتها وعندها انفرجت أسارير وجهه في نفس اللحظة التي انفرجت معها أزمته بانفتاح نافذة الجنة الموعودة وتلاقت النظرات.. نظراته العاتبة المتسائلة ونظرات حورية الجنة ذات الشعر المصبوغ باللون الأصفر تربطه بمنديل لونه وردى تتدلى منه ورود حمراء وصفراء وتعمدت أن تلقى إليه بابتسامة دلال أنثوى وهي تضع مشبك الشيش في مكانه ليظل موارباً وإيحاء بأن الباب أمام المعلم مفتوح وآه من حواء الأنثى التي تحكم شباكها بعد أن تنصبها ليقع بداخلها الطير المناسب.. وكانت عزيزة صيَّادة ماهرة لا تسعى إلا وراء الرجل الثرى لتتمتع بماله وثرائه فقد كانت منذ صغرها تحب العز (والفخفخة) وتحلم بركوب السيارات، وكانت مطلقة تاجر ثرى وأرملة آخر تزوجته في سن والدها لثرائه، ومات وترك لها ثروة لا بأس بها، وفي طريقها للزيجة الثالثة نصبت شباكها حول المعلن سيد زوج جارتها عطيات والذى فتنه جمالها وبياض بشرتها والدلال الأنثوى المتعمد، وفتنها هي أكثر ثروته التي قفزت في السنوات الأخيرة لتكمل الأرنب!!
رياح الخماسين العاصفة بسخونتها وترابها تهب على منزل عطيات زوجة المعلم العاشق وتنعكس عليها وعلى أولادها.. قال لها الرادار الذى يوجد بداخل كل أنثى وزوجة ولا يكذب أبداً أن في حياة زوجها امرأة أخرى، فهو يمضى الليل يتقلب في فراشه أصبح نومه متقطعاً، قلق وتوتر وغليان يوشك على الانفجار.. معاملته لها اصبحت باردة متكلفة يضيق بها وبالأولاد لأقل تصرف لا يروقه. قالت لها غريزة الأنثى بداخلها أنها خرجت من حياته وأن الصيد الجديد يوشك أن يقع في الشباك، ولكن ماذا تفعل وهي المغلوبة على أمرها وهي وأولادها ضحية ما سيحدث من نكبات.
كانت ترقبه يتقلب في فراشه ترقد بجواره فلا يشعر بها ويتصنع النوم، سرت البرودة في علاقتهما الزوجية، وفي النهار وأثناء تواجده في البيت اقتصرت معاملته على ما يريده من طلبات وما يلقيه من أوامر، عليها فقط أن تطيعه بلا مناقشة باختصار أدركت أنها أصبحت في نظر زوجها المعلم سيد مجرد شغالة!! تلبى الأوامر وتقضى الطلبات ولا شيء غير ذلك.
وعطيات لم يكن ينقصها الذكاء ومثل كل زوجة مصرية أصيلة طيبة تحب زوجها وتخلص له، تحسن معاشرته وتتفانى في تربية الأولاد والمحافظة على بيتها، تؤدى عمل بيتها اليومى في صبر مهما شعرت بإرهاق وتعب، تطيع زوجها ولا تناقشه وتقابل ثورة أعصابه بهدوء متفادية الدخول في معارك يتعمدها هو مفضلة السلامة والانسحاب لأنها تشعر أن الطرف الضعيف هو الخاسر دائما والمعركة غير متكافئة.
إلى أن كان ظهر ذلك اليوم المشئوم، يوم النافذة المغلقة والشيش الأخضر الذى أصبح الذى أصبح موارباً علامة على قرب فتح أبواب الجنة الموعودة أمام المعلم سيد يحقق أحلامه ويهنأ بحياة سعيدة وأحلام وردية، وفي نفس الوقت فتحت طاقة من جهنم تهب منها رياح الغدر والخيانة ونار الغيرة لتحرق كيان ووجود الزوجة الطيبة أم الأولاد.
وميمون يعرف أن مؤامرة تحاك ضده وأن يد الغدر توشك أن تطبق على رقبته فالحلقة تضيق والنهاية تقترب والعصا الملعونة في يد صاحبه هي مصدر الخطر دائما رغول رهيب ينقض ليفترس متى حان الوقت المناسب.
إن لميمون أو عطيات عقلاً وغريزة وبهما أدركت أن رياح الخماسين التي هبت من نافذة جارتها اللعوب توشك أن تقتلعها من مكانها.. تدمر مملكتها وكل شيء.. البيت والأولاد والمستقبل.. كل شيء.
تعانق عقربا الساعة وافترقا.. ودار الزمن دورته ودقت الساعة معلنة منتصف الثانية بعد ظهر نفس اليوم الملئ بالأحداث والعواصف، والذى بدأ صباحه بمناورة مكشوفة تعمدت صاحبتها أن تحرق أعصاب عاشقها الولهان بتأخير فتح النافذة لغرض في نفس يعقوب.. ومن مكانها في المطبخ سمعت عطيات مفتاح زوجها في الباب، تسارعت دقات قلبها، أسرعت تحمل أطباق الطعام لتضعها على المائدة.. تهرول من المطبخ إلى غرفة المائدة في سرعة الصاروخ، وفي كل مرة كانت تضع صنفاً من الطعام الذى يحبه زوجها ويشتهر به مطبخنا الشرقى ؛ الملوخية ذات الرائحة النفاذة محشي ورق العنب والباذنجان والفلفل الرومى، طبق البامية بلحم الضأن، وطبق البفتيك اليومى تحيط به ترنشات البطاطس المحمرة بلون ذهبى جذاب، وأخيراً أطباق السلطة والمخلل و(دورق) المياه تسبح بداخله قطع الثلج في إغراء وتدلل، وكلها أصناف يعشقها المعلم ويتناول منها فوق طاقته. ورائحة الطعام الشهى تحرك المعدة الجائعة والأبخرة المتصاعدة من الأطباق تغرى الصغار ليسرعوا نحو المائدة العامرة بكل ما لذَ وطاب، ولكن نظرات المعلم الغاضبة جمدتهم في أماكنهم، فهو لا يزال جالسا مكانه فوق الكنبة بجلبابه الأبيض يقرأ الجورنال ويجذب الأنفاس الأولى من سيجارته المفضلة في بطء واستغراق.
نظرات الحيرة ترسم علامة استفهام تطل من عيني ميمون لماذا يتأخر صاحبه عن تناول الغداء علي غير العادة، كانت تفكر وعقلها يترجم عشرات الأسئلة الحائرة وكلها تنتهي بكلمة لماذا؟ ولا تجسر أن توجه إليه سؤالا منها.. واضح جداً أنه مشغول بشيء خطير فلا الجريدة ولا غيرها يمكن أن تؤخره عن أمتع ساعات يومه وهي التي يدخل فيها في معركة ساخنة مع ما لذَّ وطاب من طعام.
لحظة زمن أفرخت موقفاً درامياً ثبت فيه المخرج الكاميرا على مشهد واحد لا يتغير.. أطفال ثلاثة يقفون كالتماثيل متلاصقين، تعكس نظراتهم علامات استغراب واستنكار، وتشي بما يشعرون به من حرمان متعمد لإسكات معداتهم الصارخة التي تتلوى من الجوع وأمامهم الأكل، كانوا ينظرون إلى أبيهم الجالس في مكانه باستغراب يدخن سيجارته ويقرأ الصحيفة لا يريد أن ينتهى منها إلى وجه أمهم التي تقف بجوارهم تراقب ما يسفر عنه الموقف الغامض والقلق والخوف يعتصرانها، الجو ملبد بغيوم عاصفة تتأهب لترسل سيلا من شتائم ولعنات بصبها زوجها فوق رأسها كالمعتاد وخاصة في الآونة الأخيرة وأمام الأولاد.
تجمد كل شيء في الغرفة حتى أنفاس الأطفال المذعورين المترقبين والأطباق الشهية ما زال البخار يتصاعد منها ليزيد من إحساس الأطفال بألم الجوع وعذاب الموقف وفي صيغة احتجاج يقتربون من المائدة يحاولون جذب انتباه أبيهم ليترك مكانه ويأمرهم بتناول الطعام معه، ولكن فجأة تنطلق صرخة غضب وثورة تسمر الأطفال في مكانهم، الأسد الرابض فوق الكنبة يزأر ويهدر.. تنطلق الشتائم من فمه كالسيل.. مفاجيع يا أولاد الـ... لا أدب عندكم ولا أخلاق.. شوية صبر يبتعد الصغار في ذهول.. يلتصق أصغرهم بأمه.. يحتمى بها.. يبكى وهو يدفن رأسه في ثوبها خائفا حزينا.
ويأتى الفرج أخيراً بعد أن نفث المعلم سيد عن صدره بسيل الشتائم والإهانات الذى تعمد أن يوجهه إلى أولاده لعل وعسى أن تتدخل أمهم وتحين الفرصة لتنفيذ خطته، يقوم من مكانه غاضباً.. الأولاد يتراجعون ويلتصقون بأمهم أكثر، لكنه يتجه إلى المائدة ويأمر أولاده بالجلوس نظراتهم تتركز على الوجه العابس الغاضب بلا سبب بينما نظراته هو على أطباق الطعام بأيها يبدأ..
لحظة صمت انشغل فيها المعلم سيد بالمعركة اليومية المعتادة يملأ فمه بالطعام يبتلعه ابتلاعاً في سرعة بينما يده اليمنى كالخطاف تنقض على الطبق وترفع ما فيه في لحظات إلى فمه وهكذا.. حتى تكورت بطنه. كل هذا والزوجة الطيبة عطيات تقفز هنا وهناك تملأ طبقه بكل ما هو شهي، وتضع لأولادها نصيبهم وتجلس أخيراً لتأكل معهم بعد أن ينتهى هو من تناول طعامه ويقوم ببالونة منتفخة تكاد تصل إلى ذقنه كحامل في شهرها الأخير ولازال في معدته مكان للحلو والشاى أيضا!!
ينسحب السيد إلى غرفة نومه متثاقلاً، تنشغل الزوجة في رفع بقايا المعركة الغذائية والأطباق الفارغة تحملها إلى المطبخ وتلقى بها في الحوض تمهيداً لغسلها.. عشرات الأطباق والصوانى والأكواب والملاعق، والأوانى التى خلت من المحشى والدجاج وتحمير البفتيك. وكان عليها أن تنتهى من مهمتها الثقيلة قبل أن يستيقظ الزوج من قيلولته، وحنفية المياه لا تساعد عطيات على أداء المطلوب، الماء قليل والشحوم وبقايا الطعام في الأوانى تحتاج إلى ماء كثير.. الأولاد يدخلون المطبخ ينظرون إلى أمهم والصابون على أيديهم وأفواههم.. انقطعت المياه من الحمام يا أمى.. والصابون فوق الأطباق والأوانى والأكواب ترقد في حوض المطبخ والحنفية أمسكت ولا نقطة مياه واحدة تريد أن تخزى الشيطان وتتنزل.
تتجه عطيات إلى النافذة.. تفتحها.. تنادى في غيظ وانفعال.. اقفلى الميه شوية.. الصابون على ايدين الولاد والمواعين في الحوض (ولكن ما من مجيب. لا صوت ولا حركة تكرر عطيات محاولتها بصوت يرتفع أكثر.. يا عزيزة اقفلى الميّه من عندك شوية.. ولا يجيبها سوى صدى صوتها.
وكنت عزيزة تقف خلف نافذتها المواجهة لنافذة مطبخ جارتها عطيات تراقب الموقف وتتعمد مضايقة عطيات كجزء من مخطط مرسوم بدقة وكانت في هذه اللحظة تشعر بفراغ قاتل ورغبة شريرة في التدمير، وكانت تحسد جارتها وتشجع زوجها على هجرها والتخلى عن أولاده ليعيش معها في الجنة الموعودة، ومن برج المراقبة كانت تعرف كل صغيرة وكبيرة تحدث في بيت غريمتها وتضع خطتها من واقع المعلومات التى تحصل عليها وتدخل عليها التعديلات التى تراها ضرورية لنجاحها.
وعطيات المسكينة يرتفع صوتها شاكية مسترحمة جارتها اللعوب لتفرج عن المياه وتغلق الحنفية في مطبخها.. الميه.. اعملي معروف.. يا.. وقبل أن تكمل الجملة فوجئت بصفعات وركلات تنهال فوق جسدها المكدود الضعيف وتستدير لتجد زوجها المعلم سيد كالثور الهائج والوحش الثائر ينهال عليها بكل قوتها يجذبها من شعرها.. انقلب المعلم إلى ثور في حلبة المصارعة، الأطفال يصرخون في رعب وعطيات تحاول الاحتماء من هجمات الوحش الثائر وركلاته ولكن كيف، وتسقط على الأرض صارخة ترفع يديها المتسختين ببقايا الدهون والصابون في محاولة تحمى بها وجهها ورأسها من قذائفه الصاروخية، ونظرات الأولاد الخرساء يملؤها الرعب وقد وقفوا عاجزين لا يستطيعون الدفاع عن أمهم.
ويقذف السيد بيمين الطلاق بالثلاثة في وجه عطيات.. أنت طالق بالثلاثة.. تنكمش وتتكور في مكانها تبكى بحرقة العاجز المظلوم.. ومن الناحية الأخرى فتحت نافذة الجنة لتطل منها عزيزة السمينة البيضاء وتطلق زغرودة. فقد أيقنت أن المأذون في الطريق إليها.