البيوت غارقة في الصمت.. كل البيوت المحيطة يلفّها سكون موحش.. لا ألمح أحدًا يطل من نافذة أو أسمع صوتاً لآدمى أو نباحا لكلب والصمت ولا غيره.. لا توجد علامة على أن ساكنى تلك البيوت من الأحياء. اللهم إلاَّ من سحابة دخان تنفثها مدخنة هنا أو هناك عبر الأسقف المحدبة بنيت لتسهيل انحدار المطر المتساقط بغزارة، ولا تحتجزه فوقها.. بينما على البعد كانت كنيسة الدوم الأثرية الشهيرة ترتفع قامتها في جمال ومهابة لتميزها عن البيوت المجاورة.. الشمس الغاضبة دائما تختفى وراء السحاب لتضفى على المكان ظلاً رمادياً تشوبه لسعة برودة يرتجف لها جسدى الواهن الذى يحمل أثقال خمسين ربيعاً ومجموعة متنوعة من العلل والأمراض.
ومن خلف النافذة أتطلع إلى التلاميذ الصغار يتركون لعبهم في الفناء مهرولين إلى الفصول عندما تصاعدت دقات الناقوس تطالبهم بالانتظام في الدراسة بعد فترة راحة يمرحون ويتسابقون صبياناً وبنات يرتدون البنطلونات الجينز، وفوقها بلوفرات من الصوف، كانوا في عمر الزهور يتطايرون كفراشات لا يحملون للحياة هماً ومع اختفاء آخر تلميذ من الفناء داخل الفصل ساد هدوء شمل المكان الذى تشغله مدرسة آخن الألمانية والمكون من ثلاثة أجنحة خصص واحد منها لأطفال الحضانة، وتحيط بالمبنى حديقة جردها الشتاء القارس بأمطاره من زهورها ومعالم البهجة التي تشيعها الخضرة الزاهية في النفس.
وكانت الأشجار العارية تقف على استحياء متجردة من أوراقها وفي انتظار يد الربيع الحانية لتعيد عصاه السحرية إليها ثياب الخضرة اليانعة.
كانت تقف متجاورة كحراس في نوبة عملهم على أهبة اليقظة والاستعداد، كم عددها يا ترى؟؟ أخذت أحصى العدد.. في الصف الأمامى 8 شجرات أراها بوضوح من نافذة مطبخى الدافئ لحظة جلوسى على مقعدى الأثير في نوبة تأمل، أحزن لمنظر الأشجار العارية التي ظلمها الشتاء وأنا أيضاً مثلها جردتنى قسوة الإنسان من دفء المشاعر وحرمتنى من أبسط حقوقى في حياة مطمئنة آمنة.
أمسح دموعاً نزفتها مقلتاى، تتبع من نهر أحزانى أشعر بغصة في حلقى، وتتهدج أنفاسى في مشروع بكاء وجلسة جلد للذات أقول لنفسى لماذا؟ فلم يعد هناك ما يستحق أن تبكى من أجله.. بإرادتك المنفردة كان ابتعادك عن منغصات حياتك وتركت بينك وبينها بلادا. انفصلت عن جذورك حين قررت الهروب والنجاة بنفسك من الصراعات التي كادت تقضى عليك وفراراً من مركبات النقص والعقد النفسية فيمن حولك.. الرجل الذى وثقت فيه وسلمت إليه مقادير حياتك حين رضيت به زوجاً، ورأى منك تفوقا وطموحاً وشخصية فسعى بإيعاز من شياطين الإنس والأقارب والصحاب للقضاء على تطلعاتك وإخماد موهبتك بإختلاق النكد ومصاحبة الساقطات اللائى يتميزن بالخبرة والمهارة في اصطياد الأزواج الفاشلين واستنزاف أموالهم في سهرات صاخبة وموائد للقمار وجلسات الكيف والمجون، وتحملت وحدك مسئولية البيت والإنفاق ورعاية الأطفال ومتابعة دروسهم. باختصار كنت الأب والأم في وقت واحد. تتحملين في صبر وإيمان معاناة الأيام وسهر الليالى والضغوط العصبية وضربات الغدر من الحاقدين وذوى العاهات الخلقية والنفسية.
وكن لابد للشجرة الوارفة أن تتأثر بهبوب رياح الشر والكيد وأعاصير الخيانة والدسائس المستمرة المتوالية في هذه الحرب الشعواء، وعلى مر السنين المتعاقبة تنذر بشيخوخة بمكرة وأمراض تحتل جسدك وأخطر من كل هذا تصيب نفسك وأعصابك بالاكتئاب واليأس والنظرة التشاؤمية وأخيراً فقدان الثقة والرغبة في الهرب بعيداً.
على من تبكين ولم تبكين أيتها التعسة، إن البكاء على اللبن المسكوب لن يجدى.. وسلة البيض التي ألقت بها الفلاحة على الأرض في حلم يقظتها لن تمتلئ ثانية بالبيض.. ولن ينقذ الحمل من الذئب الظالم المفترس مخلوق.. فالشر استعمر الأرض وسكنها منذ أن قتل قابيل أخاه هابيل والنفس البشرية أمّارة بالسوء.. إنك تعرفين كل هذا.. وقرأت في طفولتك الكثير ووعته ذاكراتك واستقر في وجدانك، فلماذا وأنت في خريف عمرك تحمّلين نفسك فوق طاقتها لقد اخترت الطريق وأدرت ظهرك للماضى بكل أحزانه وسواده.. وأغلقت الباب بالمفتاح على مآسيه وعذاباته في إصرار على النجاة والتخلص من القهر والاستبداد ومؤامرة تحويلك إلى خادمة في بيتك ومجرد شغالة للضيوف من أقارب وأسرة زوجك يحتلون البيت لشهور حتى في أيام امتحانات الأولاد والمذاكرة وحالة الطوارئ في الثانوية العامة، ويتحول بيتك إلى مستعمرة (ومضيفة لأم الزوج وشقيقاته وأشقائه، تقومين وحدك على خدمتهم وتلبية حاجاتهم والسهر معهم ومع ذلك فالمؤامرات واختلاق المشاكل والدس تحاك ضدك وتوغر صدر المخلوق الغائب الحاضر الزوج المنقاد والأب المفتقد.
وألقت رياح الغدر بمجدا في بعيداً.. تعبت كثيراً وتألمت أكثر، ولم أعد قادرة على الشكوى أو الصراخ والاستغاثة وجدتنى حبيسة القهر مغلوبة أسير في طريق شائك مسدود وأولادى لا يزالون في أول مرحلة من حياتهم.
في السنوات الأولى من التعليم الجامعى، ليس أمامى غير الصبر والانتظار وكلاهما مرّ.. أن أضحى بنفسى من أجل أبنائى حتى يتخرجوا ويقفوا على أقدامهم في وجه الأعاصير، وكان هذا على حساب صحتى ومقدرتى على تحمل الصدمات المتالية فالحرب بينى وبين أعدائى دائرة الرحى والصراع رهيب ؛ لأنهم يسعون إلى اقتلاع الشجرة من جذورها والتى تجرأت على الوقوف في وجههم شامخة صامدة تقاوم الأعاصير ولا تستسلم.
أغمضت عينىّ.. وهيأت نفسى للقاء المجهول وصدرى للطعنات القادمة، فلن تكف كتيبة الإعدام عن محاولاتها ولن أهنأ بلحظة سلام واحدة أو هدنة أستعيد فيها أنفاس.. فالكتيبة تضم ثلاث بنات ورابعتهن أمهن.. حماتى أم زوجى وقائدة الكتيبة، لا أتذكر بالتحديد المساحة الزمنية التي قررت فيها الصمود من أجل أبنائى والتحدى فقد عجزت ذاكرتى وتوقف ذهنى عن التفكير واحتواء شراسة الصراع ومداه..
أشرب ثانية من نهر الأحزان، في يدى تحول الماء إلى علقم، لا خيار أمامى الموت ظمأ أو تجرع العلقم المرّ حتى أصل بالسفينة إلى شاطئ النجاة.. وبأولادى إلى الأمان.. عرائس البحر تحلق حول سفينتى يتدافعن لمنعها من الرغق شعورهن الذهبية حبال تشدها إلى الأمام نحو الشط، في محاولة منهن لمعاونتى والتغلب على الشر.. أيام وشهور وأعوام لا أحصى عددها وأسماك القرش المفترسة في انتظار وليمة شهية تمنى النفس بها متمنية غرق السفينة.
أغمض عينى وأفتحهما لا أصدق ما أرى.. شاطئ الأمان ترسو سفينتى فوقه، السكون والدعة ورمال الشاطئ تلمع تحت أشعة شمس الصباح، نجح الأولاد وتخرجوا من كليات القمة وبتفوق وحصدت ثمرة كفاحى وصبرى وحدى ؛ فالأب مشغول بمغامراته العاطفية منجذباً ومطيعا لأفكارهم الجهنمية وأن يعيش لنفسه ويتمتع بما بقى من عمره من سنوات الشباب.
وكردّ فعل للنجاح توالت الضربات واشتدت ضراوتها ونوع جديد من المكائد والمؤامرات، أولها مشروع زواج فاشل، ابنتى خريجة الجامعة المتميزة خلقاً وتربية يريدون تزويجها من ابنهم الفاشل والذى حصل على دبلوم متوسط بأعجوبة وواسطة.
وتصديت للمؤامرة الدنيئة بكل قوتى، ورفضت بإصرار فتح باب الحديث في موضوع الخطبة، وكنمرة شرسة تدافع عن أشبالها في معركة حياة أو موت وقفت في وجه مؤامراتهم على ابنتى ومستقبلها الذى لن يكون مضمونا أبدا مع واحد من أبناء الشر والدسائس.
ودفعت الثمن فادحاً من صحتى وأعصابى.. وأنا أحارب الطواغيت، أترقب ضربتهم الثانية، ولا أعلم من أين تأتى! عشت في كابوس مزعج ألقى بظلاله السوداء على فرحتى بنجاح أولادى.
تمتد أمامى صحراء شاسعة، ومفازات مهلكة لا يدرك البصر منتهاها ويعجز العقل عن إدراك مخاطرها.. تبلغ البعض رمالها المتحركة الخادعة وتصيب الآخرين لوثة من ضربة الشمس الحارقة وما بين موت ومرض وكارثة تحيق ببعض أفراد عائلة الشر على مدى دورة الأيام وتعاقب السنوات، تجد الباقين على ما هم عليه من قوة غاشمة وغرور أعمى وبراكين الشر والحقد تغلى بداخلهم ولو انفجرت لألقت بحمم تهلك كل البشر الصالح والطالح، ولا هم يعتبرون أو يتعقلون.
أمشى على غير هدى.. أتخبط في صحراء التيه، الرمال متقدة.. حبات العرق تعمى عينى، الأشواك تخترق جلد قدمى وتنفذ إلى اللحم الذى تنبثق من جروحه دمائى نازفة ويتصاعد الإحساس بالألم إلى تلافيف مخى فتترجمها خلاياه إلى صرخات مدوية، وأسير خطوات إلى الأمام لأجدنى عائدة إلى الخلف خطوات وخطوات، أقاوم الألم في استماتة لأعبر من خلاله وأتغلب عليه ولكن لا فائدة، أسير في إعياء، لهيب قيظ الصحراء يشوى جلدى أتفصد عرقاً كأنى أمشى بالمقلوب ويمسك أخطبوط بخناقى يشل حركتى ويعتصرنى فأتمزق إلى أشلاء، تمنيت لو كنت ذرة في هذه الرمال أتحد مع باقى الذرات وأشعر بالأمان في حضنها.
ساد صمت موحش، تزحف ستائر الغروب الضبابية لتحتل صفحة السماء الرمادية، تتسلل أشعة الشمس من فوق أسطح المدينة وينحدر قرصها الشاحب ليختفى رويداً رويداً، وتحكم العتمة قبضتها على المكان ويفرض الظلام سلطانه ويجئ ليل جديد.
أفيق من تأملاتى مع الغسق وأعود إلى نفسى عبر رحلة ذكريات أليمة، حفرت بداخلى أخاديد عذاب وانكسار وندوب جروح لم تندمل رغم مرّ الزمن ومضى السنين.
وأعود لأبدأ من جديد.. أضع قدمى على سلم الطائرة التي تتأهب للإقلاع ويعلو صمت المحرّك وتظهر العلامات الإرشادية تطلب ربط الأحزمة تليها علامة ممنوع التدخين، أسند رأسى إلى مسند الكرسى.. يغمرنى إحساس بالضياع بفقدان الذات، يعلو صوت المحرك أكثر إيذاناً بقرب تحرك الطائرة.. الآن فقط أدركت إنى غريبة ضائعة وشجرة بلا جذور عرضة للعواصف تقتلعها وتلقى بها، هل هو الندم على ما أقدمت عليه، أن أترك كل شيء ورائى وأنجو بجلدى.. أهاجر بعيداً لأعيش ما تبقى لي من أيام عمرى في سلام.. دموع حارة تنحدر على وجنتى، تحجب عن عينى رؤية آخر قطعة عزيزة من أرض الوطن، يرنو بصرى إلى أقصى مداه عبر نافذة الطائرة أودع أرضى وجذورى راحلة إلى المجهول.. إلى المكان الذى اخترته لأعيش فيه بمنأى عن العذاب والصراع وامتهان الآدمية وحرب الأعصاب، تهتز الطائرة في جريانها على الممر تزيد من سرعتها لترتفع إلى أعلى محلقة في الفضاء تنهمر دموعى، تزداد دقات قلبى سرعة وبرودة الخوف تسرى في كيانى الممزق المحبط، الآن تحررت من أغلال الرق والعبودية وسيطرة الظالم أردد شعر ناجى وغناء الكوكب الخالد أم كلثوم الذى يقول: أعطنى حريتى أطلق يديا.. إننى أعطيت ما استبقيت شيئاً.. لقد أعطيت يا دنياى الكثير من عمرى وصحتى وحيويتى وشبابى، منحت ولم أطلب لنفسى شيئاً وقوبلت تضحيتى بالجحود والنكران ولكن يعزينى أن أولادى لم يعودوا في حاجة إلى بعد أن تخرجوا في الجامعات وتزوجوا.. وأصبح كل منهم شجرة لها جذور قوية تتصدى للرياح.. أصلها حب الله والمثل العليا.. ووضعت أقدامهم على الطريق المستقيم، طريق الخير والجمال.
زفرة حاره أتذكر بها أولادى الذين فارقتهم وقلبى يتمزق ى. ألمح نظرات الحزن في عيونهم وهم يودعوننى في المطار وتنهمر دموعى ثانية لتلفت نظر جارتى في الطائرة سيدة أنيقة جميلة حسبتها أجنبية لأول وهلة ثم فوجئت بها تتحدث معى بلهجة مصرية تسألنى لماذا أبكى وتحاول تهدئتى، وأعرف منها أنها تقيم بألمانيا منذ 30 عاماً، وهي زوجة لمهندس مصرى يعمل بشركة شهيرة لصناعة السيارات بمدينة فرانكفورت تولديهما بنت وولد بالجامعة الألمانية.
قالت جميلة وهي اسم على مسمى إنها من بنات المنصورة فارقت مدينتها وعمرها 16 عاماً فقط، لم تكمل تعليمها وسافرت بثوب الزفاف الأبيض لتزف إلى عريسها الذى لم تكن تعرفه من قبل، فهو يعيش بالخارج والزواج تم بالتوكيل.
ولمحت في عينيها نظرة حزن عميقة تشع من مقلتين بلون خضرة برسيم الريف المصرى بينما ترفع يدها إلى رأسها بحركة لا إرادية تسوى خصلة من شعر أصفر بلون الذهب، هل كن الحزن مصدره غربتها وحياتها في مجتمع يختلف تماما عن مجتمعنا الشرقى وتقاليدنا المصرية، ولم تترك جميلة لي فرصة التفكير في سر الحزن الدفين بداخلها وتفضحه رغما عنها عيناها الخضراوان واستطردت تكمل حكايتها مع الزمن كأنما لتخفف العبء عن صدرها وقد أصبحنا شريكتين في الهم، قالت استقبلنى زوجى في المطار.. كنت خائفة قلقة فهو غريب عنى رغم ابتسامته المطمئنة وترحيبه الحار بي.. ركبت معه سيارته الفارهة وأنا شاردة أجيب على أسئلته باقتضاب وحذر، وكان هو يحاول إخراجى من حالة التوتر ولكن كيف وقد وجدت وحيدة لا أمى بجوارى ولا أحد من عائلتى يشعرنى بالأمان وأنا على أبواب حياة جديدة ومستقبل غامض ومع إنسان لا أعرف عنه شيئاً.
واستسلمت لقدرى.. وأنا أتأقلم مع ما أواجهه ولم أهيأ له نفسياً من قبل.. في مجتمع فرض على عاداته وتقاليده وممارسة طقوس غريبة بعيدة تماما، توحاولت ونجحت بعد فترة عزلة واغتراب كنت أجهل خلالها مفردات لغة الألمان وأخاف من الخروج بمفردى إلى الأسواق ومحلات السوبر ماركت حتى لا يفتضح أمرى وأعجز عن طلب ما أريد شراءه.
وكان زوجى من الكرم بحيث اتفق مع مدرسة تعلمنى مبادئ القراءة والكتابة الألمانية بعدها التحقت بمعهد لأتقن اللغة، كان ذلك في العام الأول من زواجى وكان بمثابة تجربة واختبار تعلمت الألمانية نطقا وكتابة، وتعرفت على العالم الذى كن مجهولاً وصادقت سيدات من الأسر المجاورة لنا، وتبادلنا الزيارات واستطعت الوقوف على أرض صلبة في مجتمعى الجديد.
وزادت تثقتى في نفسى مع مولد ابنتنا دنيا وبعدها بعام ولد شريف، وتفرغت لهما ولبيتى تكبر سعادتى وتزيد كلما رأيتهما أمامى يكبران ويتعلمان المشى والنطق والخروج للعب في حديقة بيتنا بين أشجار الفاكهة والجوز ونباتات الزينة التي تضفى على الحديقة رونقاً وجمالا وكأنها قطعة من الجنة، وكنت ألاحظهما من نافذة المطبخ المطلة على الحديقة أثناء قيامى بإعداد الوجبات والحلوى.
صمت يقطع الحديث والذكريات بتقدم المضيفة نحونا وتضع صينية الطعام أمام كل منا.. بينما الطائرة تشق أجواء الفضاء اللانهائى تمر فوق بحار وأنهار ودول ودويلات وعوالم مسكونة بالبشر فوق أرض الله التي خلقها لعبادة، وأرسى فيها الجبال لتحفظ توازنها ومهدها لهم ليعيشوا في سلام يعبدونه ويشكرونه ولكن أني للإنسان أن ينعم بسلام وقد خلق ليشقى ويعانى.
وتكمل جميلة مضت بنا الأيام والأعوام ودخلت دنيا وشريف الجامعة وبدأت التجاعيد تزحف إلى وجه زوجى الذى كان يكبرنى بكثير وتتسلل الأمراض إلى جسده وتكثر زيارات الأطباء لبيتنا وتكرر انقطاع زوجى عن عمله مما ترتب عليه نقص الموارد المالية مع ارتفاع أسعار السلع عما كانت عليه نتيجة لانضمام ألمانيا الشرقية وإعلان الوحدة بعد انهيار سور برلين، واضطررت أن أخرج للعمل لأساهم في نفقات المعيشة.
وكنت خلال رحلة الحياة أحظى بإجازة خاطفة لأزور أسرتى في المنصورة يشدنى الحنين والانتماء إلى جذورى فأرتمى بين أحضان أمى أبكى وتبكى معى وهأنذا عائدة من رحلة الحنين إلى مصر.. بلدى...
يقطع الصمت صوت المضيفة تطلب ربط الأحزمة والطائرة تهبط في مطار دسلدورف أودع صديقة الرحلة وأحمل حقيبتى إلى الخارج، حيث كانت صديقة عمرى تستقبلنى بالأحضان وابنها يقدم لي باقة ورد بينما انشغل زوجها في وضع الحقيبة بالسيارة التي انطلقت تسابق الريح في طريقها إلى مدينة آخن عاصمة الأباطرة والمقر الجديد لإقامتى، بينما (كاسيت) السيارة ينبعث منه صوت كوكب الشرق أم كلثوم.. جددت حبك ليه بعد الفؤاد ما ارتاح.. لأكتشف على البعد أن الذى هربت منه ارتحل معى لم يفارقنى ويلازمنى في الغربة ليل نهار.. فقد فررت من قدر الله إلى قدر الله... والهموم بداخلى تلتصق بذاتى كالوطاويط ولن تخرج ولو بالطبل البلدى.